الحياة السياسية
عهد ملوك الطوائف (عصر ابن زيدون) (422 - 484ھ/1031 - 1091 م) :
لما توفى الحكم بن عبد الرحمن الناصر سنة 366ھ تولى شؤون الحكم الحاجب جعفر المصحفي لأن ولي عهد الخليفة هشام الثاني المؤيد بالله الذي تولّى الخلافة رمزًا كان صغيرًا لم يتم الثانية عشرة من عمره ثم الحاجب المنصور الذي كان أشهر وزراء الأندلس وقواده كما كان واسع الثقافة قوي البأس شديد المراس، مرهوب الجانب لم يحكم البلاد بالقوة والحكمة أحدٌ بعد عبد الرحمن الناصر إلا هذا القائد البطل، وكان هو السبب الوحيد لعدم تشتيت شمل الحكم بعد وفاة عبد الرحمن وإلا تمزقت البلاد في عهد المصحفي الحاجب تمزقًا لأنه لم يكن هناك أهل للقيادة والسيطرة على الفتن والمشاكل الداخلية ولهذا نجد أنه ما إن استشهد هذا القائد البطل الناصر المنصور في سنة 392ھ-1002 م حتى تحولت بلاد الأندلس كلها إلى لعبة في أيدي عديد من العابثين والمستهترين من الخلفاء غير الأكفاء إلى أن ظهر ملوك الطوائف الذين يسميهم الأسبان (Reyes De Taifas) [1] لأنه حكم كل منهم جماعة وطائفة في دويلة وولاية صغيرة ونادى بنفسه ملكًا أو خليفة.
أما الأحداث التي أدت إلى ظهور ملوك الطوائف فهي باختصار وإيجاز أنه لما استشهد القائد الحاجب المنصور في سنة 392ھ- 1002 م وأخلدت بلاد الأندلس كلها إلى الضعف والانهيار - كما أسلفت إليه آنفًا - كان خلف المنصور ابنه عبد الملك في الحجابة فاستمر فارضًا وصايته على الخليفة هشام على الرغم من أن هشامًا قارب الثلاثين ولكن وصاية عبد الملك لم تدم أكثر من عامين حيث مات بالذبحة الصدرية وقيل مات مسمومًا، فخلفه في الحجابة أخوه عبد الرحمن بن أبي عامر ولم يكن حازمًا مثل أبيه ولما ظلم الناس وتطاولت يده إلى أموالهم أبغضوه ولم يكن ظالمًا فحسب وإنما كان خليعًا مستهترًا قيل أنه سمع مرة مؤذنًا يقول"حي على الصلاة"فقال: لو قلت"حي إلى الكأس لكان خيرًا"ولم يكتف بوصايته على الخليفة بل تطلع لأن يلي الخلافة فأرغم هشامًا على أن يولّيه عهده فثارت ثائرة الشعب وتطلع المخلصون إلى استعادة قوة الخلافة الأموية، وبخاصة بعد أن انحاز الحاجب المنصور وابناه إلى البربر. فهاجمت الجماهير قصر الخليفة هشام وأرغموه على أن يتنازل عن الخلافة إلى محمد بن هشام الأموي وبايعوه بالخلافة وتلقب بالمهدي ولكنه كان أحمق طائشًا فاضطهد البرير وأباح للعامة نهب دورهم وأطلق الغوغاء من السجون وأطلق أيديهم في النهب والسلب وبعد أيام أمر بكف أيديهم، ثم نهب ما استطاعت يده الوصول إليه من الذخائر النفيسة وامتد شره إلى زعماء بني أمية أنفسهم وإلى زعماء الصقالبة، فاتجه الجميع إلى سليمان بن الحكم الأموي وبايعوه بالخلافة باسم المستعين بالله، وقامت فتن عديدة وثورات عنيفة كانت نتيجتها الفتك بكثير من العلماء والزعماء والنساء والأطفال واستباح العامة لأنفسهم هتك الأعراض
(1) تاريخ الدول الإسلامية ومعجم الأسرة الحاكمة، ص 26