وخطف الحرائر، وبيعهن في الأسواق ومد المستعين يده إلى أمراء المسحيين بالشمال وأباح لهم اقتحام قرطبة، ففتك المسيحيون والبربر بالحرب فتكًا ذريعًا - وكالوا لهم الصاع صاعين، ويروي ابن عذارى أن المسيحيين قتلوا تحت رأية المستعين نيفًا وثلاثين ألفًا من المسلمين [1] وتنازل لهم المستعين عن كثير من القلاع والحصون، واقتحم معهم الزهراء فوجد سكانها محتمين بالمسجد الجامع فلم يرع للمسجد حرمه وفتك هو وأنصاره من المسيحيين بمن في المسجد من رجال ونساء وأطفال وهنا انفرط الحقد وافتقر نفوذ المستحيين على قرطبة وثلاث مدن أخرى لأن البربر والصقالبة تواثبوا على المدن الكبرى، وأعلنوا إنشاء ولايات جديدة مستقلة وقامت عدة إمارات عربية وحاول بعض الأمويين مثل عبد الرحمن بن هشام المستكفي بالله"والد ولادة التي سيجيء ذكرها"وهشام الثالث أن يعالجوا الموقف ولكنهم كانوا أقصر باعًا وأضعف همة وأعجز تدبيرًا فلم ينالوا أي توفيق وانتهت خلافتهم سنة 422ھ- 1031 م وتغلب زعماء الحرب والبربر والصقالبة والموالي على المدن وسمّوا كما قلت ملوك الطوائف ... .. وهكذا تبدد وتشتت شمل الخلافة الأموية وقامت على أنقاضها إمارات أو دويلات ملوك الطوائف وهي نحو ست عشرة ولاية كبيرة وغيرها من الولايات الصغيرة التي كانت تظهر حينًا ثم تندمج في غيرها من الولايات الكبيرة وكان يتقاسمها البرير والعرب والمولدون والصقالبة، منهم بنو حمود في مالطة، وبنو عباد في إشبيلية وبنو زيري في غرناطة، وبنو الأفطس في بطليوس وبنو صمادح في مريه، وبنو جهور في قرطبة وبنو ذي النون في طليلطة، وبنو عامر في بلنسيه وبنو نجيب وبنو هود في سرقسطة كما كان هناك ملوك آخرون أمثال ملوك دانيه، وملوك طرطوشة وملوك ميورقة، وملوك البونت وغيرهم [2]
والذين يهموننا في هذا البحث هم بنو جهور في قرطبة. وبنو عباد في إشبيلية.
بنو جهور في قرطبة (422 - 461 ھ/1031 - 1068 م) :
قلنا إن آخر أمويي الأندلس هشام الثالث المعتد بالله انتهى أمره سنة 420ھ 1022 م وبذلك أعلن علماء الشغب، وقادته وعيونه سقوط الخلافة الأموية وطردوا من بقي من الأمويين من إمارة قرطبة وانتخبوا أبا الحزم بن جهور رئيسًا لهم لأنه كان جديرًا بهذه الثقة فهو ينحدر من أسرة كريمة أورثت الوزارة كابرًا عن كابر ولهذا سمّاه ابن الخطيب [3] شيخ الجماعة وبقية الأشراف من بيوت الوزارة.
وكان حكم أبي الحزم بن جهور أقرب إلى النظام الجمهوري منه إلى النظام الملكي والدليل على ذلك:
(1) تاريخ ابن خلدون، 4/ 150، البيان المغرب، 3/ 56 و 61، نفخ الطيب، 1/ 279
(2) للتفصيل في ملوك الطوائف يراجع: تاريخ الدول الإسلامية ومعجم الأسر الحاكمة، 1/ 26 - 33
(3) ابن زيدون (علي عبد العظيم) ، ص 35 ونقض عن أعمال الأعلام، 3/ 972 وزاكبادر، 1/ 86 - 92 وملوك الطوائف، 315 - 324