فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 98

هل غير أن محض الوفاء لغادر ... أوغير أن صدق الوصال لقاطع

وقد رقّاه صديقه أبو الوليد إلى أرفع الرتب وقلّده الوزارة وأرسله سفيرًا لقرطبة وفي أثناء السفارات التي اتصل بها اتصل بحاكم مالقة إدريس الثاني الملقب بالعالي وكانت فيه صفات تجذبه إلى الشاعر وتجذب الشاعر إليه حيث كان رقيقًا لطيفًا يفسح مجالسه للطبقات الشعبية وقد لقي الشاعر منه كل ترحيب فأطال المكوث ونسي المهمة التي أرسله من أجلها أبو الوليد فأرسل إليه أبو الوليد عتابًا ولكنه لم يرجع وأخيرًا أرسل له يعزله من السفارة وقد كان ابن زيدون وأبوه يميلان إلى البربر وحاكم مالقة وهو إدريس الثاني شيعي كان يحلم بإقامة دولة شيعية في الأندلس.

لقد مال الشاعر مع إدريس ميلًا عاطفيًا لأنه كان شاعرًا يقول الشعر ويتذوقه ولكن الشاعر مع كل هذا لم ينس قرطبة ولا ذكرياته فيها فرجع إليها ولكن الأمير أساء لقاءه بالإعراض والجفاء فتضرع وتوسل إليه فقال:

سرور الغنى ما لم يكن منك حسرة ... وأرى المُنى ما لم ينل بك صاب

وإن يك في أهل الزمان مؤهّل ... فأنت الشّرابُ العذب وهو سراب

ومع كل هذا بقي الأمير يعامله بغلظة وجفاء فلم يستطع ابن زيدون أن يتحمل كل هذا فقرر أن يهجر قرطبة ليعيش في غيره فسافر الشاعر إلى عدة إمارات لعله يجد فيها ما يرضيه من الجو الذي يلائمه فتردد على إمارة بلنسية وإمارة بطليموس وأخيرًا عاد إلى قرطبة فغفر له الأمير زلته وما كاد يستقر فيها حتى قامت ثورة بني ذكوان وكان الشاعر معروفًا بحبه لبني ذكوان ولكن الثورة لم تنجح وتوجهت التهم نحو ابن زيدون فيها لصداقته مع القائمين عليها ولكن ابن جهور بعد أن خذله أصدقاؤه جميعًا انصرف عنهم وسلّم زمام الحكم إلى رجل حازم بعيد عن الشبهات وهو إبراهيم بن محي المشهور بابن السقا فاستمر يباشره مدة خمسة عشر يومًا [1] .

وهنا يئس الشاعر من الإقامة في هذا البلد تمامًا فاستعرض الإمارات كلها فلم يجد أنسب من الإقامة في ظل بني عباد فاتجه إلى صديقه القديم أبي عامر بني مسلمة وسأله أن يتوسط له لدى المعتضد [2] . وقد كان المعتضد يرغب بابن زيدون لذكائه وشاعريته الفذة وإلى خبرته في شؤون السفارات وإدارة الدول ولخبرته بقرطبة التي كان المعتضد يتطلع لالتهامها.

(1) البيان المغرب، 2/ 222، نقلًا عن ابن زيدون (لعلي عبد العظيم) ، ص 157

(2) الديوان، ص 762 - 768

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت