وهذا الكلام لا يستند إلى دليل وإنما فيه تحيز واضح للنصارى فإنه ذكر كل [1] من ابن حيان، وابن الخطيب عند استعراض تاريخ بلنسيه أيام ملوك الطوائف- التي نحن بصددها - أن الفنيين العامرين مظفر ومبارك كانا قبل توليهما إمارة بلنسيه في بداية القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) "عصر ابن زيدون"يتوليان وكالة الساقية بالمدينة أو بعبارة أخرى كانا يتوليان شؤون الري.
ومن جهة أخرى فإن التواريخ الأسبانية ذاتها تقول لنا إن الملك خايمي الأول ملك أرجوان حينما افتتح بلنسية سنة 1238 م وأصدر لها نظمها وقوانينها الجديدة أعجب بمحكمة المياه العربية وقرّر الإبقاء عليها بسائر نظامها وامتيازاتها التي كانت لها أيام الحكم الإسلامي وقد استمرت محكمة المياه من ذلك التاريخ إلى يومنا هذا بنفس أوضاعها ونظمها القديمة. [2]
وخير دليل على ذلك غير ما قدّمنا من النصوص العربية والأسبانية ما يقوله ابن بلنسيه قاضي محكمة المياه الأستاذ خنير بورا عن أصل محكمة الري الموجودة في البحث الذي كتبه عنها وهذا يدحض زعم الأستاذ خوليان يقول الأستاذ خنير:
"إن المحكمة بشكلها الذي وصل إلينا إنما هي ميراث من الشعب العربي ووفقًا لأوثق الروايات فإن ذلك كان أيام خلفاء قرطبة العظام، عبد الرحمن الناصر والحكم المستنصر حتى سنة 960 م حين اتخذت نظامها الذي وصل إلينا ولم يتغير" [3] .
وقال الأستاذ مستيم (Mestyme) في ذلك وفي النهضة الزراعية والهندسية عامة في مؤتمر المستشرقين بمسرسيليا سنة 1876 م:"إن فرنسا أخذت من الأسبان العلوم المختلفة وأساليب الزراعة وتعلمت منهم حفر الترع والخلجان ونظام الري وحاصلات الشرق من الحبوب والأشجار والنباتات التي زاولوا زراعتها بالأندلس وعالجوها حتى صارت صالحة للزراعة بأوربا".
ويقول ستانلي لين بول [4] بكل صراحة:
"أدخل العرب بالأندلس نظامهم في الري الذي لم يصل الأسبانيون إلى مثله من قبل ولا من بعد ... .. وأرسل (أول أمراء الأمويين عبد الرحمن الداخل) رسلًا في كل بقاع الأرض ليجلبوا إليه أندر ما في البلاد من الشجر والنبات والبذور وكان بستانيّه غاية في المهارة والذكاء. فنمت هذه الأنواع الغريبة واعتادت الإقليم، وانتقلت من حديقة القصر إلى كل بلاد الأندلس وعرف الرمان ونما وكثر بالأندلس ... ولبعض بساتين قرطبة أسماء مغرية تدعو المرء إلى الاضطجاع بجانب جداولها المتدفقة، والتمتع بشذا أزهارها"
(1) المصدر نفسه
(2) المصدر نفسه
(3) المصدر نفسه
(4) قصة العرب في إسبانيا (تعريب: علي الجارم) ، ص 125 - 127