الانغماس في الترف والملذات من المظاهر والسمات البارزة للمجتمع الأندلسي سواء انتقل إليهم من الشعوب السابقة إليهم في القوط (Goth) والقوط من الشعب الجرماني (Vandales) أو الرومان كما قلنا في العصر قبل الفتح الإسلامي، أو وقعوا فيه هم بأنفسهم، المهم أن الترف في البلاد كان واضحًا وأهم من ذلك أنه كان شائعًا بين أفراد الشعب أيضًا حيث نجد أفرادًا من العامة يعبون من كؤوس الخمر اللذة بغاية من الإسراف. وأدهى وأمر أنّ بعض القضاة أنفسهم كانوا مشتركين في ذلك كما ذكر ابن بسام حالة أبي بكر بن ذكوان قاضي ابن الحزم ابن جهور صاحب قرطبة فإنه كان في أجلّ من كانوا في عصره وقارًا ومهابة مع عدله في قضائه وإنفاذًا لحكم بمقتضى الحق وإمضائه، هذا ما كان يتسم به مجلسه في النهار ولكنه إذا جنّه الليل أقبل على القصف وتجاوز في ذلك كل وصف. [1]
وفي عصر ابن زيدون صور أخرى غير ذلك من التهالك والإسراف فاشتهر ملوك الطوائف إذا استثنينا بني جهور بالانغماس في اللذات والجري وراء الشهوات ولا سيما بني عباد وأصحاب إشبيلية الذين عاش شاعرنا في كنفهم زهاء عشرين عامًا.
3 -النزعة الدينية:
وليس معني هذا الشغف باللهو والطرب واللذة والترف أن المجتمع كله كان بعيدًا عن الدين كل البعد فإن هناك مظاهر للنزعات الروحية والتقاليد الدينية. فقد عرضنا أن أبا الحزم بن جهور كان في غاية من التواضع"يشهد الجنائز ويعود المرضى حتى كان يصلي التراويح في مسجد البابطين ويؤذن فيه" [2] .
ولما خلفه ابنه أبو الوليد محمد بن جهور سنة 435 ه-1042 م سار على منهج أبيه في الحكم كما اقتفى سنته في معاملة الناس بالحسنى ... [3] .
وكان في طليلة مجمع أنشأه أحمد بن سعيد كان أربعون عالمًا من طليطلة يعقدون اجتماعاتهم وحلقاتهم عنده في ردهة مفروشة بأحسن الفرش فيفتحون عملهم بتلاوة آيات الذكر الحكيم ثم يتذاكرون تفسير ما تلوه ثم يستطردون إلى البحث في فنون شتى من العلم والحكمة [4] .
وكان الحكم فأنشأ بقرطبة سبعًا وعشرين مدرسة اتخذ لها المؤدبين يعلمون أولاد الناس القرآن الكريم وأجرى عليهم المرتبات. [5]
(1) التفصيل موجود عند ابن بسام في الذخيرة (القسم الأول) ، 1/ 358
(2) ملخص من المراكشي، المعجب، 60
(3) الذخيرة، 2/ 122
(4) غابر الأندلس وحاضرها، ص 88 - 89 نقلًا عن ابن زيدون لعلي عبد العظيم، ص 22
(5) المصدر نفسه والصفحات ذاتها