ولم يهتموا في العصر الأول بالفلسفة والعلوم العقلية بل خالف الفلسفة رجال منهم متعصبون ومتزمتون ولهذا قام بعض الخلفاء مثل الحاجب المنصور بإحراق مجموعة من الكتب الفلسفية تملقًا وإرضاء لهم في ظروف خاصة وقلنا"تملقًا وإرضاءً لهم"لأنهم لم يقوموا بهذه العملية طواعية فمن المعروف في التاريخ الأندلسي أن الحاجب المنصور كان محبًا للفلسفة مقبلًا عليها [1] . ولكننا لا ندخل في عصر ملوك الطوائف حتى نجد الكثيرين الذين درسوا الفلسفة وتزودوا بالرياضة، الطبيعة، والفلك، والطب، ويزداد عددهم في عصر شاعرنا ابن زيدون وكفانا أن نشير إلى الفقيه الفيلسوف الناقد الشاعر أبو محمد على ابن حزم الأندلسي الذي توفي سنة 456ھـ أي قبل وفاة ابن زيدون بسبع سنوات. وكتب ابن حزم أول كتاب فلسفي في مقارنة الأديان، ونقدها، لم يسبق له مثيل هو كتاب ''الفصل في الملل والأهواء والنحل"ذكر المستشرق آنجل جنجاليس بولينسيا (Angel Gonzales Polencia) في كتاب له بالأسبانية نقله إلى العربية د. حسين مؤلف باسم"تاريخ الفكر الأندلسي"ذكر فيه عددًا من الفلاسفة المغربيين الذين تأثروا بآراء ابن حزم ومن أشهر من تأثروا توماس الأكويني، كما أشار إليهم اسين بلاتيوس في بحثه القيم عن هذا الكتاب وقال: إننا لا نجد بين أيدينا وثيقة هي أغنى ولا أجدر بالثقة من كتاب"الفصل"لابن حزم يمكننا من تتبع سير تيار الثقافة الذي لم يتوقف أبدًا خلال العصور الوسطى فيما يتصل بتاريخ الآراء والمذاهب''. [2] "
وكتب ابن حزم أيضًا كتابًا في فلسفة الحب، اسمه"طوق الحمامة"وهو يشبه بالترجمة الذاتية (Autobiography) .
وذكر صاعد [3] الأندلسي أسماء عشرات العلماء المشتغلين بالدراسات الفلسفية بالأندلس في عصره، وعصره نفس عصر شاعرنا فتوفي صاعد سنة 462 هـ وابن زيدون سنة 463 هـ ولعل خير دليل على كون الفلسفة ذات مكانة مرموقة قول شاعرنا ابن زيدون في مدح المعتضد بن عباد حيث يصفه كاتبًا فيلسوفًا يقول في قصيدته الغالية:
همام يزين الدهر- منه- وأهله مليك، فقيه، كاتب متفلسف [4] .
(1) راجع: نفح الطيب، 1/ 136
(2) تاريخ الفكر الأندلسي (تعريب: د. حسن مرقص)
(3) راجع: طبقات الأمم، ص 64 - 69
(4) ديوان ابن زيدون (تحقيق: علي عبد العظيم) ، ص 486 وقال هذه القصيدة في سنة 446 هـ