المؤمن في رمضان يسمو فوق الماديات، ويعلو علي الشهوات، في رمضان ينشط الذهن ويتألق، وتصفو الروح وتحلق، انه يزهد فيما عند الناس ويرغب فيما عند الله، انه يتخفف من أثقال الدنيا و جواذب الأرض، وينطلق صوب الآخرة في سعادة غامرة، لسان حاله يهتف: وافرحتاه غدا سألقي الأحبة محمدا وصحبه ... !!، فيعمل لمعاده كما يعمل لمعاشه، ويعمل لغده كما يعمل ليومه، ويعمل لأخرته كما يعمل لدنياه"فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" (آل عمران 148) ... يعلمون أن متاع الدنيا مهما طال فإنه قصير، ومهما كثر فانه قليل ..."قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلًا" (النساء 77) .... يعرفون أن الآخرة هي الخالدة .. هي الباقية"بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا *وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى" (16 - 17) ... لذلك يتحركون في الأرض بهذا الفهم، ويعيشون في الدنيا بهذا الفقه، تبقي الدنيا في أيديهم لا في قلوبهم، فيجعلونها مزرعة لأخرتهم، و مرضاة لربهم
لقد وعي الصحابة ذلك جيدا فلم يعملوا من اجل مصلحة شخصية ولا منفعة مادية، ولا شهوة حسية، وإنما يعملون، من اجل إعمار الحياة، حبا لذات الله، وإتباعا لرسول الله"قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (آل عمران 31)
المؤمنون علموا أن الله جعل النصر بيده"وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ" (آل عمران 126) ، واختصهم به"وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ" (الروم 47) لكنه علق هذا النصر وشرطه بعمل المؤمنين أنفسهم"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ" (محمد 7) ... وعلموا أن الله أرسل رسولهم بالسيف، وجعل رزقه في ظلال رمحه (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله تعالى وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم) صحيح الجامع ... فحقق للناس رحمة الله التي أرسل بها"، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ" (الأنبياء 107) ... بلغ الرسالة، وادي الأمانة، وكشف الغمة، وجاهد بالسيف والكلمة، فأتم الله به النعمة، ومحا الله به الظلمة، فارسي قواعد الإسلام، ونشر العدل والأمن والسلام ...
سلك المؤمنون دربه وترسموا طريقه، وجعلوا حياتهم فداء دعوتهم ودينهم، يظلون كذلك حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا .. دون تحويل أو تبديل"مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا" (الأحزاب 23) .