رأيًا وحلمًا وفضلًا فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيت ما أصابه ورأيت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك!. فدعا له رسول الله بخير، وقال له خيرًا ...
وأمر رسول الله بقتلى المشركين فطرحوا في القليب. وروى أنه قال عند مرآهم بئس عشيرة النبي أنتم لنبيكم، آذيتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس. فلما وُوريت جثثهم وأهيل التراب على رفاتهم، انصرف الناس وهم يشعرون أن أئمة الكفر قد استراح الدين والدنيا من شرورهم؛ إلا أن النبي استعاد ماضيه الطويل في جهاد أولئك القوم، آم عالج مغاليقهم وحاول هدايتهم؟! وآم ناشدهم الله وخوفهم عصيانه وتلا عليهم قرآنه؟! أوهم -على طول الطريق- يتبجحون، وبالله وآياته ورسوله يستهزئون، فخرج النبي في جوف الليل حتى بلغ القليب المطوي على أهله، وسمعه الصحابة يقول:"يا أهل القليب، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، يا أمية بن خلف، يا أبا جهل بن هشام؛ هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا!". فقال المسلمون: يا رسول الله أتنادي قومًا جُيِّفوا؟ قال:"ما أنتم بأسمع لما أقول منهم! ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني"كانت وقعة بدر في السابع عشر من رمضان لسنتين من الهجرة، وقد أقام رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ببدر ثلاثًا، ثم قفل عائدًا إلى المدينة يسوق أمامه الأسرى والغنائم، ورأى قبل دخولها أن يعجِّل البشرى إلى المسلمين المقيمين فيها لا يدرون مما حدث شيئًا. فأرسل"عبدا لله بن رواحه"و"زيد بن حارثة"مبشّرَيْن يؤْذِنان الناس بالنصر العظيم قال"أسامة بن زيد": فأتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله، وآان زوجها عثمان بن عفان قد احتبس عندها يمرّضها بأمره، وضرب رسول الله له بسهمه وأجره في بدر.
ورجع المسلمون بما أصابوا من الأسري، وبما نالوا من الغنائم بعدما مرغوا وجوه الذين كفروا في التراب وبعدما واروا قتلاهم القبور ورجع الذين كفروا بالعار والهزيمة يجلل وجوههم الخزي والسواد، وتملأ قلوبهم الحسرة والآسي قال تعالي"سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ* بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ" (القمر 45 - 46) .