الرومانية المقدسة - تلك الإمبراطورية التي كان نابليون قد فكك بقاياها في 1806، واضعا حذا لالف سنة من الاستمرارية المؤسسية - وفي زحمة تيارت قومية أطلقها احتلال الجيوش الفرنسية للجزء الأكبر من النارة. كان لا بد لذلك التوازن من أن يكون قادرا على الحيلولة دون تكرر النزعة التوسعية الفرنسية التي كانت قد أنتجت ما بشبه الهيمنة لفرنسا في أوروبا، حتى مع تمخض تقدم روسيا عن خطر مشابه في الشرق
ومن هنا نعبنت ابضا إعادة هيكلة توازن أوروبا الوسطى. لم بعد أن هابسبورغ، السلالة الملكية المهيمنة على القارة ذات يوم، بحكمون سوي مناطقهم الموروثة عن الأجداد من فيينا. وهذه المناطق كانت واسعة ومتعددة اللغات (شبه شاملة لكل من النمسا، هنغاريا، كرواتيا، سلوفينيا، وبولونيا الجنوبية الراهنة) ، وقد بات الآن تماسكها السياسي موضع شك. جملة من الدول الألمانية الأصفر التي كانت انتهازيثها قد وفرت قدرا معينا من المرونة للنظام الوستفالي في القرن الثامن عشر كانت الغزوات النابليونية قد ازالتها. كان لا بد من إعادة توزيع أراضيها بما ينسجم مع توازن تمت إعادة تأسيسه.
كان السلوك الدبلوماسي في مؤتمر فيينا مختلفا جذرا من ممارسات القرن الواحد والعشرين، دبلوماسيو هذه الأيام على اتصال مباشر، آني، لحظة بلحظة مع عواصمهم، يتلقون توجيهات تفصيلية دقيقة بدقيقة وصولا إلى نصوص مداخلاتهم؛ مشورتهم مطلوبة حول الأوضاع المحلية، وبتواتر اضعف بكثير حول الأمور الاستراتيجية المهمة. أما الدبلوماسيون في فيينا فكانوا على بعد أسابيع من عواصمهم. وصول أي رسالة من فيينا إلى برلين كان يستغرق اربعة ايام (أي ثمانية أيام لتلقي جواب على أي طلب لتوجيه) ، ووصول أي رسالة إلى باريس كان يتطلب ثلاثة اسابيع؛ وكان الزمن المطلوب للتواصل مع لندن اطول قليلا. لذا كان لا بد من صوغ التوجيهات بلغة عامة إلى درجة تكفي لتغطية التغييرات الطارئة على الوضع، إذ كان الدبلوماسيون بزودون في المقام الأول بالمبادئ العامة والمصالح الطويلة الأمد؛ أما فيما يخص التكتيكات اليومية فكانوا أحرارا إلى حد كبير، كان القيصر الكساندر على مسافة شهرين من عاصمته، إلا أنه لم يكن بحاجة إلى أي توجيهات نزواته كانت أوامر روسيا، وقد أبقى مؤتمر فيينا مشغوة بمدى خصوبة خياله. لعل وزير الخارجية النمساوي كليمنس فون