فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 390

توفير السلم للعالم المسيحي، فإن أنهارا استثنائية الغزارة من الدماء كانت قد ارينت لإدراك مدى ضرورة بلوغ هذا الهدف السامي عبر الوحدة العقدية أي السياسية، بان الآن مسلما بان من شأن السلم أن يبني، إذا كان سيبني بالمطلق، عبر تحقيق التوازن بين الأطراف المتنافسة

لعل سلام وستفاليا الذي تمخضت عنه هذه المناقشات الالتفاقية المعقدة هي الوثيقة الدبلوماسية الأكثر ورونا في التاريخ الأوروبي، رغم أن معاهدة واحدة مجسدة لشروطه ليست موجودة في الحقيقة. كما أن المندوبين لم يجتمعوا قط في أي جلسة موسعة واحدة لاعتماد الوثيقة، وثيقة سلام وستفاليا. ليس السلام في الحقيقة إلا حاصل جمع ثلاث اتفاقيات متكاملة منفصلة موقعة في أوقات مختلفة ومدن متباينة، ففي سلام مونستر المبرم في كانون الثاني / يناير عام 1648، اعترفت إسبانيا باستقلال الجمهورية الهولندية متوجة ثورة هولندية دامت ثماني سنوات كانت قد اندلعت مع حرب الثلاثين سنة. وفي تشرين الأول / أكتوبر 1648 اقدمت مجموعات منفصلة على توقيع معاهدة مونستر ومعاهدة اوسنابروك، ببنود عاكسة كل منهما الأخرى ومستوعبة بنودا اساسية تلميحاء

الساهيتان المتعددنا الأطراف الرئيسيتان كانتا، كلتاهما، تعلنان اعتزامهما خدمة مجد الرب وأمن العالم المسيحي بوصفها"سلاما وصداقة مسيحيين، شاملين، أبديين، حقيقيين، وصادقين"د"، لم تكن البنود التنفيذية الفعالة مختلفة جوهربا عن بنود وثائق أخرى عائدة إلى الفترة ذاتها، غير أن الآليات المعتمدة البلوغها كانت غير مسبوقة. كانت الحرب قد سحنت دعاوى الكونية الشاملة او التضامن الطائفي، كانت الحرب البادئة صراعا للكاثوليك ضد البروتستنت، لا سيما بعد انخراط فرنسا ضد الإمبراطورية الرومانية المقدسة الكاثوليكية، قد انقلبت إلى تحالفات سائية مفتوحة للجميع دائية على التحول والتضارب. وبما يشبه الحريق الشرق أوسطي المندلع في زماننا هذا، كانت تحانات طائفية يجري استحضارها طلبا للتضامن والتحريض في القتال، غير أنها كانت لا تلبث أن ينم نفض اليد منها بالسرعة نفسها، جراء نشوب صراعات بين مصلح جيوسياسية أو ببساطة بسبب طموحات شخصية فوق العادة، ما من فريق إلا وقد تم التخلي عنه عند أحد منعطفات مسار الحرب من قبل حلفائه الطبيعيين؛ وما من أحد ولع الوثائق في ظل وهم أنه كان يفعل أي شيء سوى خدمة مصالحه وهيبته."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت