إنك حين تقوم بالتفاوض المباشر، تميل الى الإعتقاد بأن الطرف الآخر عادة ما يكون على استعداد للموافقة على ما تطرحه من اقتراحات. يستطيع الوسيط أن يجتمع بكل طرف وأن يقترح بعض الحلول دون التلميح بأن الطرف الآخر سوف يكون مستعدًا لقبول هذا الحل.
كما أن الوسيط سيكون عادة قادرًا على إعادة كلا الطرفين إلى طاولة المفاوضات دون إجبارهم على تقديم أية تنازلات، إذ يكون عادة خبير في مجال النقاش، مما يمكنه من اقتراح بعض التصورات الجديدة بالنسبة للجانبين.
كما أن لديه من الخبرة ما يكفي لحسم مثل هذه النزاعات، وبعيدًا عن المهارات التي تكسبها الخبرة للوسيط، فإنها تتيح له فرصة وضع تصّوُر لتسوية منصفة ومقبولة.
وجوب اعتبار الوسيط شخصية محايدة:
يجب أن ينظر الطرفان إلى الوسيط أو الحكم بوصفه شخص محايد
وإذا لم يشعر الطرفان بذلك فسوف يفقد الشخص فاعليته، ولذلك يجب أن يبذل الوسيط جهده لترسيخ
هذه الصورة المحايدة لدى الطرفين. بمعنى أن الوسيط المتمرس قد يفرض اقتراح أحد الجانبين إن
كانت تربطه به صلة عمل مسبقة بينما لا يقدم على مثل هذا التصرف مع الطرف الآخر. كما أنه
لن يقبل اقتراح الطرف الذي تربطه به معرفة اجتماعية ولكن ليس الطرف الآخر. إن ما يعنينا هنا
هو ترسيخ صورة المحايدة وليس علاقات العمل أو الصداقة. أما إن كان الوسيط يرتبط بِصلة عمل أو بصداقة مع الطرفين بنفس الدرجة فإن هذا لن يقلل من مقدار فاعليته.
قد يشرع الوسيط في أداء دوره بمنتهى الصدق ثم يفاجئ بأنه يعرف أحد الأشخاص في أي من الجانبين. يجب في هذه الحلة أن يقوم بشرح الموقف للطرفين وأن يعرض فكرة الانسحاب، فإن لم يعترض أحد على وجوده فيمكنه المواصلة، ولكنه يجب أن يطرح المشكلة وأن لا يتجاهلها. لقد قامت مجموعة من علماء النفس في إحدى المرات بإجراء دراسة حول تأثير الوسيط المحايد في عملية الوساطة، وكان من بين النقاط التي تعرضت لها المجموعة الأثر الذي يمكن أن يحدث إن نظر أحد الأطراف إلى الوسيط بوصفه غير محايد؟
والإجابة بديهية وغاية في البساطة، وهي:"أن الوسيط يجب أن يسعى لتخطي هذه العقبة بالمبادرة بتقديم تنازل سريع لهذا الطرف". سوف يعمل المثال التالي على إلقاء الضوء على هذه الفكرة.
يقول"روجر داو سون"أستاذ التفاوض:
في إحدى المرات شاركت في عملية التفاوض الخاصة ببيع إحدى الشركات لشركة أخرى وكان هناك فريقان من المحامين يعملان في محاولة لتسوية نقاط الخلاف بين جانبين، وبعد أسابيع من التفاوض بدا أننا قد وصلنا الى طريق مسدود. الى أن قام احد المحامين بإذابة الجليد فكان من الذكاء بحيث قال:"يبدو أن الأمر سوف يستغرق وقت أكثر مما كنت أتوقع، ولكنني يجب أن اذهب الى المحكمة عصرا، ولهذا فإن شريكي جو سوف يحل محلي بعد الغداء".
وبينما ذهب المحامي الأول الى المحكمة عصر ذلك اليوم، جاء جو ليحل محله وقد بدا على غير دراية بالموقف فبدأ كل فريق يشرح له وضع المفاوضات وبذل جو جهدا كبيرا كي يبدو محايدا حيث خاطب فريقه قائلا:"أترون انه من الإنصاف أن نضغط عليهم في هذه النقطة؟ يمكننا أن نتنازل قليلا في هذا الصدد". مما دفع الجانب الأخر الى الاعتقاد بأنه أكثر اعتدالا من المحامي السابق، وهكذا تجدد لديهم الأمل في التوصل الى تسوية. وبما إن نجح جو في اكتساب صورة