وتلامذته، فإنهم أحسن من صنف في هذه المسائل، وفيها يجد المنشد ضالته". غاية الأماني 447"
على أن ما تقدم يزداد وضوحًا بالنظر إلى موقفه من الأشاعرة، وإن كان يُجلُّ علماءهم ويحترم كبارهم، فبعدما نقل من كلام أبي الحسن الأشعري [1] في الإبانة ما يفيد أنه على عقيدة الإمام أحمد، قال تعليقًا على ما نقل من كلامه: إنه"ظاهر في أنه سلفي العقيدة، وكيف لا والإمام أحمد علم في ذلك، ولهذا نص عليه من بين أئمة الحديث، ويعلم من هذا أن ما عليه الأشاعرة غير ما رجع إليه إمامهم في آخر أمره من اتباع السلف الصالح، فليتهم رجعوا كما رجع، واتبعوا ما اتبع" [2] . وبصرف النظر عن مدى موافقة الأشعري فيما انتهى
(1) 19 هو أبو الحسن علي بن إسماعيل، ولد بالبصرة سنة 270 هـ، (في رواية ابن خلكان، وذكر ابن عساكر أنه ولد سنة 260 هـ، انظر: الأشعري، أبو الحسن) ومرت حياته الفكرية بمراحل ثلاث: عاش في أولاها في كنف أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة في عصره وتلقى علومه حتى صار نائبه وموضع ثقته. ولم يزل أبو الحسن يتزعم المعتزلة أربعين سنة. أما الثانية فقد ثار فيها على مذهب الاعتزال الذي كان ينافح عنه، بعد أن اعتكف في بيته خمسة عشر يومًا، يفكر ويدرس ويستخير الله تعالى حتى اطمأنت نفسه وأعلن البراءة من الاعتزال وخط لنفسه منهجًا جديدًا يلجأ فيه إلى تأويل النصوص بما ظن أنه يتفق مع أحكام العقل، وفيها اتبع طريقة عبد الله بن سعيد بن كلاب في إثبات الصفات السبع عن طريق العقل: الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام، أما الصفات الخبرية كالوجه واليدين والقدم والساق فتأولها على ما ظن أنها تتفق مع أحكام العقل وهذه هي المرحلة التي ما زال الأشاعرة عليها. وأما المرحلة الثالثة ففيها أثبت الصفات جميعها لله تعالى من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف ولا تبديل ولا تمثيل، وفي هذه المرحلة كتب كتاب"الإبانة عن أصول الديانة"الذي عبر فيه عن تفضيله لعقيدة السلف ومنهجهم الذي كان حامل لوائه الإمام أحمد بن حنبل. (وإن كان المستشرق فنسنك يرى أنه ألف كتاب الإبانة في شرة رجوعه عن فكره الاعتزالي، وأن هذا الكتاب لا يمثل الأشعري في تمام نضجه، بل كتابه اللمع، كما يرجح الدكتور حودة غرابة هو الذي يمثل مذهبه الوسط في صورته النهائية) . ولم يقتصر على ذلك بل خلف مكتبة كبير ة في الدفاع عن السنة وشرح العقيدة تقدر بثمانية وستين مؤلفًا، وفي تاريخ وفاته خلاف، والراجح أنه توفي سنة 324 هـ، ودفن ببغداد ونودي على جنازته:"اليوم مات ناصر السنة".
(2) 20 جهود أبي الثناء الآلوسي في الرد على الرافضة ص 98. وقد رجع كثير من الأشاعرة إلى مذهب السلف كالقاضي الباقلاني، والجويني، والفخر الرازي وغيرهم.