رقصهم عن وجل منه تعالى أم عن طمأنينة؟ وسيظهر ذلك يوم تبلى السرائر وتظهر الضمائر. وواضح لكل ذي مبصرتين ما فيه من العتاب الخفي، ولا سيما أن الآلوسي شديد الاعتراض على غناء الصوفية وما يصاحبه من رقص مخل بالمروءة، وقد أفاض في بحث هذه المسألة لدى كلامه على قوله تعالى:"ومن الناس من يشتري لهو الحديث" [لقمان: 6]
ولئن كان الآلوسي قد سوغ ما وقع في كلام بعض المتصوفة من الكناية عن الذات الإلهية بنحو نُعْمٍ وليلى كما مضى، وعد ذلك من قبيل الاستعارة التمثيلية الجائزة في حقه سبحانه وتعالى، إلا أنه لا يقبل مثل هذا الكلام من جهلة المتصوفة، بل يرجع ويعده من باب الإلحاد في أسمائه عز وجل، فبعد أن ذكر ما عمت به البلوى من انتشار الغناء والسماع في سائر البلاد والبقاع، إذ قال:"وأشنع من ذلك ما يفعله أبالسة المتصوفة ومردتُهم، ثم إنهم قبحهم الله تعالى إذا اعترض عليهم بما اشتمل عليه نشيدهم الباطل يقولون: نعني بالخمر المحبة الإلهية، وبالسكر غلبتها، وبمية وليلى وسعدى مثلًا المحبوب الأعظم، وهو الله عز وجل"قال: وفي ذلك من سوء الأدب ما فيه، (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها، وذروا الذين يلحدون في أسمائه) . روح 11/ 72 ثم أعقب ذلك بقوله:"ومن السماع المحرم سماع متصوفة زماننا، وإن خلا عن رقص، فإن مفاسده أكثر من أن تحصى، وكثير مما يسمعونه من الأشعار من أشنع ما يتلى، ومع هذا يعتقدونه قربة، ويزعمون أن أكثرهم رغبة فيه أشدهم رغبة أو رهبة، قاتلهم الله أنى يؤفكون". روح 11/ 74