وَالثَّانِي: مَا كَانَ فِي دَقَائِقِ الأَْفْعَال وَالأَْقْوَال مِمَّا لاَ يَقِفُ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ سِوَى الْعُلَمَاءِ، مِثْل فُرُوعِ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلاَتِ وَالْمُنَاكَحَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَْحْكَامِ، وَهَذَا الضَّرْبُ عَلَى نَوْعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْل الْعِلْمِ وَهَذَا لاَ خِلاَفَ فِي تَعَلُّقِ الْحِسْبَةِ فِيهِ لأَِهْل الْعِلْمِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْعَوَامِّ مَدْخَلٌ فِيهِ.
وَالثَّانِي: مَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْل الْعِلْمِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالاِجْتِهَادِ، فَكُل مَا هُوَ مَحَل الاِجْتِهَادِ فَلاَ حِسْبَةَ فِيهِ [1] .
وَلَكِنَّ هَذَا الْقَوْل لَيْسَ عَلَى إِطْلاَقِهِ بَل الْمُرَادُ بِهِ الْخِلاَفُ الَّذِي لَهُ دَلِيلٌ، أَمَّا مَا لاَ دَلِيل لَهُ فَلاَ يُعْتَدُّ بِهِ [2] وَيُقَرِّرُ هَذَا الإِِْمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ بِأَنَّ الإِِْنْكَارَ إِمَّا أَنْ يَتَوَجَّهَ إِِلَى الْقَوْل وَالْفَتْوَى، أَوِ الْعَمَل.
أَمَّا الأَْوَّل فَإِِذَا كَانَ الْقَوْل يُخَالِفُ سُنَّةً أَوْ إِجْمَاعًا شَائِعًا وَجَبَ إِنْكَارُهُ اتِّفَاقًا، وَإِِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَإِِنَّ بَيَانَ ضَعْفِهِ وَمُخَالَفَتِهِ لِلدَّلِيل إِنْكَارُ مِثْلِهِ، وَأَمَّا الْعَمَل فَإِِذَا كَانَ عَلَى خِلاَفِ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ وَجَبَ إِنْكَارُهُ بِحَسَبِ دَرَجَاتِ الإِِْنْكَارِ، وَكَيْفَ يَقُول فَقِيهٌ لاَ إِنْكَارَ فِي الْمَسَائِل الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَالْفُقَهَاءُ مِن سَائِرِ الطَّوَائِفِ قَدْ صَرَّحُوا بِنَقْضِ حُكْمِ الْحَاكِمِ إِذَا خَالَفَ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً، وَإِِنْ كَانَ قَدْ وَافَقَ فِيهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ. وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ سُنَّةٌ أَوْ إِجْمَاعٌ وَلِلاِجْتِهَادِ فِيهَا مَسَاغٌ لَمْ تُنْكَرْ عَلَى مَن عَمِل بِهَا مُجْتَهِدًا أَوْ مُقَلِّدًا [3] ، وَقَال الإِِْمَامُ النَّوَوِيُّ: وَلاَ يُنْكِرُ مُحْتَسِبٌ وَلاَ غَيْرُهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ قَالُوا: لَيْسَ لِلْمُفْتِي وَلاَ لِلْقَاضِي أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَى مَن خَالَفَهُ إِذَا لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا. وَهَذَا الْحُكْمُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ، فَإِِنَّ الْحُكْمَ يَنْقُصُ إِذَا خَالَفَ الْكِتَابَ أَوِ السُّنَّةَ أَوِ الإِِْجْمَاعَ أَوِ الْقِيَاسَ [4] .
(1) - شرح النووي على مسلم 2/ 23، كتاب الفقيه والمتفقه 2/ 67، 68، إحياء علوم الدين 2/ 415، الآداب الشرعية 1/ 186، 187، تحفة الناظر وغنية الذاكر 4، 7، الزواجر 2/ 169.
(2) - حاشية رد المحتار 5/ 403.
(3) - أعلام الموقعين 3/ 300، الآداب الشرعية 1 - 189 - 191.
(4) - شرح النووي على مسلم 2/ 24، الفروق 4/ 40، 41 وتهذيب الفروق 4/ 80. الفواكه الدواني 2/ 394، حاشية رد المحتار 5/ 292، 400 - 402، 685، تيسير التحرير 4/ 34، كتاب الفقيه والمتفقه 2/ 65، غاية الوصول شرح لب الأصول 149، إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك 149، 150.