فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 225

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، يَقُولُ: «إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ» .رواهُ البُخاريُّ [1] .

المعنى العام:

" «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ» ) أَيْ: لَا تَمِلْ إِلَيْهَا ; فَإِنَّكَ مُسَافِرٌ عَنْهَا إِلَى الْآخِرَةِ ; فَلَا تَتَّخِذْهَا وَطَنًا، وَلَا تَأْلَفْ مُسْتَلْزَمَاتِهَا، وَاعْتَزِلْ عَنِ النَّاسِ وَمُخَالَتَطِهِمْ ; فَإِنَّكَ تُفَارِقُهُمْ، وَأَلْزِمْ يَدَكَ اللَّازِمَ، وَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِطُولِ الْبَقَاءِ فِيهَا، وَلَا تَتَعَلَّقْ بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَرِيبُ فِي غَيْرِ وَطَنِهِ، وَلَا تَشْتَغِلْ فِيهَا بِمَا لَا يَشْتَغِلُ بِهِ الْغَرِيبُ الَّذِي يُرِيدُ الذِّهَابَ إِلَى أَهْلِهِ وَوَطَنِهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ «حُبِّ الْوَطَنِ مِنَ الْإِيمَانِ» فَمَوْضُوعٌ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ صَحِيحًا، لَا سِيَّمَا إِذَا حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَطَنِ الْجَنَّةُ، فَإِنَّهَا الْمَسْكَنُ الْأَوَّلُ. (أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) أَوْ فِيهِ لِلتَّخْيِيرِ وَالْإِبَاحَةِ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى بَلْ، شَبَّهَ - صلى الله عليه وسلم - النَّاسِكَ السَّالِكَ بِالْغَرِيبِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَسْكَنٌ يَأْوِيهِ، ثُمَّ تَرَقَّى وَأَضْرَبَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ:"أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ"لِأَنَّ الْغَرِيبَ قَدْ يَسْكُنُ فِي بِلَادِ الْغُرْبَةِ، وَيُقِيمُ فِيهَا بِخِلَافِ عَابِرِ السَّبِيلِ الْقَاصِدِ لِلْبَلَدِ الشَّاسِعِ. (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ) مُخَاطَبَةً لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ. (إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ) أَيْ: لِيَكُنِ الْمَوْتُ فِي إِمْسَائِكَ وَإِصْبَاحِكَ نُصْبَ عَيْنِكَ، مُقَصِّرًا لِلْأَمَلِ، مُبَادِرًا لِلْعَمَلِ، غَيْرَ مُؤَخِّرِ عَمَلَ اللَّيْلِ إِلَى النَّهَارِ، وَعَمَلَ النَّهَارِ إِلَى اللَّيْلِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا وَمَا بَعْدَهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا، لَكِنْ ذَكَرَهُ فِي الْإِحْيَاءِ مَرْفُوعًا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى:"

(1) - صحيح البخاري (8/ 89) (6416)

(كأنك غريب) بعيد عن موطنه لا يتخذ الدار التي هو فيها موطنا ولا يحدث نفسه بالبقاء قال العيني هذه كلمة جامعة لأنواع النصائح إذ الغريب لقلة معرفته بالناس قليل الحسد والعداوة والحقد والنفاق والنزاع وسائر الرذائل منشؤها الاختلاط بالخلائق ولقلة إقامته قليل الدار والبستان والمزرعة والأهل والعيال وسائر العلائق التي هي منشأ الاشتغال عن الخالق. (عابر سبيل) مار بطريق وتعلقاته أقل من تعلقات الغريب (خذ من صحتك لمرضك) اشتغل حال الصحة بالطاعات بقدر يسد الخلل والنقص الحاصل بسبب المرض الذي قد يقعد عنها. (من حياتك لموتك) اغتنم أيام حياتك بالأعمال التي تنفعك عند الله تعالى بعد موتك]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت