فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 225

يخبرنا ويرشدنا هذا الحديث بأن كل ما يصنع للشرب وهو مسكر فهو حرام شربه قليله وكثيره، حرام استعماله حرام بيعه وتعاطيه من أي نوع كان وبأي اسم سمي، أعاذنا الله من ذلك، وأن من ولي على منطقة من مناطق البلاد عليه أن يسأل عن ما يخفي عليه من شؤون أهلها، وما يصنع في تلك البلاد من المنتجات ليكون على بصيرة من الحكم فيها ليجتنب الخطأ ويعمل بالصواب، وفقنا الله وكل مسؤول للصواب.

فَهَذَا الْحَدِيثُ أَصِلٌ فِي تَحْرِيمِ تَنَاوُلِ جَمِيعِ الْمُسْكِرَاتِ، الْمُغَطِّيَةِ لِلْعَقْلِ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْعِلَّةَ الْمُقْتَضِيَةَ لِتَحْرِيمِ الْمُسْكِرَاتِ، وَكَانَ أَوَّلُ مَا حُرِّمَتِ الْخَمْرُ عِنْدَ حُضُورِ وَقْتِ الصَّلَاةِ لَمَّا صَلَّى بَعْضُ الْمُهَاجِرِينَ وَقَرَأَ فِي صَلَاتِهِ، فَخَلَطَ فِي قِرَاءَتِهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] [النِّسَاءِ: 43] ، وَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُنَادِي لَا يَقْرَبُ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ - إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 90 - 91] [الْمَائِدَةِ: 90 - 91] . فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَهُوَ الْقِمَارُ، وَهُوَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يُوقِعُ بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ، فَإِنَّ مَنْ سَكِرَ اخْتَلَّ عَقْلُهُ، فَرُبَّمَا تَسَلَّطَ عَلَى أَذَى النَّاسِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَرُبَّمَا بَلَغَ إِلَى الْقَتْلِ، وَهِيَ أُمُّ الْخَبَائِثِ، فَمَنْ شَرِبَهَا قَتَلَ النَّفْسَ وَزَنَا، وَرُبَّمَا كَفَرَ. وَمَنْ قَامَرَ فَرُبَّمَا قُهِرَ، وَأُخِذَ مَالُهُ قَهْرًا، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ، فَيَشْتَدُّ حِقْدُهُ عَلَى مَنْ أَخَذَ مَالَهُ. وَكُلُّ مَا أَدَّى إِلَى إِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ كَانَ حَرَامًا، وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَصُدُّ بِالْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ السَّكْرَانَ يَزُولُ عَقْلُهُ أَوْ يَخْتَلُّ، فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ، وَلَا أَنْ يُصَلِّيَ، وَلِهَذَا قَالَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ: إِنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ تَمُرُّ عَلَيْهِ سَاعَةٌ لَا يَعْرِفُ فِيهَا رَبَّهُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا خَلَقَ الْخَلْقَ لِيَعْرِفُوهُ، وَيَذْكُرُوهُ، وَيَعْبُدُوهُ، وَيُطِيعُوهُ، فَمَا أَدَّى إِلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ ذَلِكَ، وَحَالَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ مَعْرِفَةِ رَبِّهِ وَذِكْرِهِ وَمُنَاجَاتِهِ، كَانَ مُحَرَّمًا، وَهُوَ السُّكْرُ، وَهَذَا بِخِلَافِ النُّوَّمِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَبَلَ الْعِبَادَ عَلَيْهِ، وَاضْطَرَّهُمْ إِلَيْهِ، وَلَا قِوَامَ لِأَبْدَانِهِمْ إِلَّا بِهِ، إِذْ هُوَ رَاحَةٌ لَهُمْ مِنَ السَّعْيِ وَالنَّصَبِ، فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، فَإِذَا نَامَ الْمُؤْمِنُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَمُنَاجَاتِهِ وَدُعَائِهِ، كَانَ نَوْمُهُ عَوْنًا لَهُ عَلَى الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ، وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت