وَلَوْ قَالَ: أَفْعَلُ كَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ، كَانَ كَذِبًا وَخُلْفًا، قَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ.
الثَّانِي: أَنْ يَعِدَ وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَفِيَ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فَيُخْلِفُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَهُ فِي الْخُلْفِ.
وَالثَّالِثُ: إِذَا خَاصَمَ فَجَرَ وَيَعْنِي بِالْفُجُورِ أَنْ يَخْرُجَ عَنِ الْحَقِّ عَمْدًا حَتَّى يَصِيرَ الْحَقُّ بَاطِلًا وَالْبَاطِلُ حَقًّا، وَهَذَا مِمَّا يَدْعُو إِلَيْهِ الْكَذِبُ،
الرَّابِعُ: إِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَلَمْ يَفِ بِالْعَهْدِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، فَقَالَ: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34] [الْإِسْرَاءِ: 34] ، وَقَالَ: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا} [النحل: 91] [النَّحْلِ: 91] ، وَقَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77] [آلِ عِمْرَانَ: 77] .
الْخَامِسُ: الْخِيَانَةُ فِي الْأَمَانَةِ، فَإِذَا اؤْتُمِنَ الرَّجُلُ أَمَانَةً، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58] [النِّسَاءِ: 58] ،
وَحَاصِلُ الْأَمْرِ أَنَّ النِّفَاقَ الْأَصْغَرَ كُلَّهُ يَرْجِعُ إِلَى اخْتِلَافِ السَّرِيرَةِ وَالْعَلَانِيَةِ، قَالَهُ الْحَسَنُ. وَقَالَ الْحَسَنُ أَيْضًا: مِنَ النِّفَاقِ اخْتِلَافُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَاخْتِلَافُ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَاخْتِلَافُ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ: خُشُوعُ النِّفَاقِ أَنْ تَرَى الْجَسَدَ خَاشِعًا، وَالْقَلْبَ لَيْسَ بِخَاشِعٍ، وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ: إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الْمُنَافِقُ الْعَلِيمُ، قَالُوا: كَيْفَ يَكُونُ الْمُنَافِقُ عَلِيمًا؟ قَالَ: يَتَكَلَّمُ بِالْحِكْمَةِ، وَيَعْمَلُ بِالْجَوْرِ، أَوْ قَالَ: الْمُنْكَرُ. وَسُئِلَ حُذَيْفَةُ عَنِ الْمُنَافِقِ، فَقَالَ: الَّذِي يَصِفُ الْإِيمَانَ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ.
وَالنِّفَاقُ الْأَصْغَرُ وَسِيلَةٌ إِلَى النِّفَاقِ الْأَكْبَرِ، كَمَا أَنَّ الْمَعَاصِيَ بَرِيدُ الْكَفْرِ، وَكَمَا يُخْشَى عَلَى مَنْ أَصَرَّ عَلَى الْمَعْصِيَةِ أَنْ يُسْلَبَ الْإِيمَانَ عِنْدَ الْمَوْتِ، كَذَلِكَ يُخْشَى عَلَى مَنْ أَصَرَّ عَلَى خِصَالِ النِّفَاقِ أَنْ يُسْلَبَ الْإِيمَانَ فَيَصِيرَ مُنَافِقًا خَالِصًا. [1]
ما يرشد إليه الحديث:
(1) - جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (2/ 481)