وفى زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من السيدة عائشة -رضى اللَّه عنها- تقول: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لَهَا: «أُرِيتُكِ فِى الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ، أَرَى أَنَّكِ فِى سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ وَيَقُولُ هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَاكْشِفْ عَنْهَا فَإِذَا هِىَ أَنْتِ فَأَقُولُ إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ» البخاري (3895) .
وانتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يخطب عائشة حتى جاءته خولة زوج صاحبه عثمان بن مظعون ترشحها له.
أحبت السيدة عائشة النبي - صلى الله عليه وسلم - حبَّا كبيرًا، ومن فرط هذا الحب كانت فطرتها - مثل النساء - تغلبها فتغار.
ومرت الأيام بالسيدة عائشة هادئة مستقرة حتى جاءت غزوة بنى المصطلق، فأقرع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين نسائه (أي أجرى القرعة بينهن لتخرج معه واحدة في السفر) وكان من عادته - صلى الله عليه وسلم - أن يفعل ذلك مع أزواجه إذا خرج لأمر، فخرج سهمها فخرجت معه - صلى الله عليه وسلم -، حتى إذا فرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - من غزوته، وعاد المسلمون منتصرين، استراح المسلمون لبعض الوقت في الطريق، فغادرت السيدة عائشة هودجها، فانسلّ عِقدها من جيدها (عنقها) ، فأخذت تبحث عنه .. ولما عادت كانت القافلة قد رحلت دون أن يشعر الرَّكْبُ بتخلفها عنه، وظلَّت السيدة عائشة وحيدة في ذلك الطريق المقفر الخالي حتى وجدها أحد المسلمين - وهو الصحابي الجليل صفوان بن المعطل - رضي اللَّه عنه - فركبت بعيره، وسار بها، واللَّه ما كلمها ولا كلمته، حتى ألحقها برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إلا أن أعداء اللَّه من المنافقين تلقفوا الخبر ونسجوا حوله الخزعبلات التي تداعت إلى أُذن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأثَّرت في نفسه، ونزلت كالصاعقة عليه وعلى أبيها"أبي بكر"وأمها"أم رومان"وجميع المسلمين، لكن اللَّه أنزل براءتها من فوق سبع سماوات فنزل في أمرها إحدى عشرة آية؛ لأنه يعلم براءتها وتقواها، فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النور: 11] .
وهكذا عاش رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته. وعاش أبو بكر - رضي اللّه عنه - وأهل بيته. وعاش صفوان بن المعطل. وعاش المسلمون جميعا هذا الشهر كله في مثل هذا الجو الخانق، وفي ظل تلك الآلام الهائلة، بسبب حديث الإفك الذي نزلت فيه تلك الآيات.