يقول الإمام الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث فصححه فقلت: وكيف ما فيه من اضطراب؟ فقال: كلاهما عندي صحيح، لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان وعن أبي الأشعث عن شداد بن أوس، روى الحديثين جميعا. وهكذا ذكروا عن علي بن المديني أنه قال: حديث شداد بن أوس وثوبان صحيحان [1] .
ورواية يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة على الوجهين جميعا تعتبر قرينة قوية، على أن أبا قلابة قد حدث بهما، والجمع بين الوجوه المختلفة بناء على القرائن هو طريقة المحدثين النقاد، وليس ذلك على التجويز العقلي، ولم يشر أحد من الأئمة النقاد إلى ذلك عند تصحيح الروايتين عن أبي قلابة.
ويمكن لنا أن نستخلص أن الاضطراب ينتفي عن الحديث إذا تم الجمع بين الوجوه المختلفة أو ترجيح وجه منها على طريقة النقاد، كما أنه لا يعد كل اختلاف اضطرابا، وأن شروط الاضطراب هي: الاتحاد في المصدر، وعدم إمكانية التوفيق بين الوجوه المختلفة، ولا الترجيح على منهج النقاد، وإن كان ممكنا على التجويز العقلي.
وقد يقع الاضطراب من راو واحد، أو من رواة، لخلل طرأ لأحدهم في ضبط ذلك الشيء المضطرب فيه وحفظه، ولذا أصبح المضطرب نوعا من المعلول، وأنت تعرف أن الحديث المضطرب لا يخلو من وجود خطأ فيه، بيد أن هذا الخطأ لا يدرى بالتحديد، وإلا يكون الحديث صحيحا من جيع الوجوه الواردة في روايته، ولا يعرف هذا الاضطراب إلا بالجمع والمقارنة.
وقد يكون الاضطراب في الإسناد، وقد يكون في المتن، وقد يكون فيهما جميعا، وما وقع فيه الاضطراب لا يصح، وإن لم يؤثر في صحة غيره من السند والمتن.
(1) - العلل الكبير للترمذي 1/ 360 - 364.