المضطرب هو الحديث الذي تختلف فيه الرواة مع اتحاد مصدرهم، ولم يستقم التوفيق بينهم ولا الترجيح على طريقة المحدثين النقاد، وإن كان ذلك ممكنا على التجويز العقلي المجرد، وأما إذا كان مصدر الروايات متعددا، أو أمكن التوفيق بينها أو ترجيح رواية من الروايات المختلفة على القواعد النقدية الحديثية فلا يعد الحديث مضطربا.
وإن كانت أمثلة الترجيح قد سبق ذكرها في ضمن مصطلحات العلة، وأمثلة الاضطراب سيأتي ذكرها قريبا، فإن صورة الجمع بين الروايات المختلفة وأمثلتها بحاجة إلى معرفتها في هذه المناسبة حتى يكون منهج المحدثين في معالجة ظاهرة الاختلاف في رواية الحديث واضحا بجميع جوانبها وأبعادها.
وأما مثال الجمع بين الروايات المختلفة فحديث: أفطر الحاجم والمحجوم الذي رواه جماعة من الرواة عن أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني عن شداد بن أوس، وخالفهم بعض الرواة فرووه عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان [1] .
هذا الاختلاف الذي ظهر بين الرواة عن شيخهم أبي قلابة مما يجعل الناقد يتأمل فيه، ويبحث عما قاله أبو قلابة: فهل قال عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس؟ أو عن أبي أسماء عن ثوبان؟ أو رواه هكذا مرة وهكذا أخرى.
وعلى الرغم من وجود الاختلاف في حديث أبي قلابة فإن النقاد لم يحكموا عليه بالاضطراب، بل حكموا بصحته على الوجهين، وذلك لقرينة تدل على أنه حدث بهما جميعا.
(1) - انظر سنن أبي داود -كتاب الصوم، باب في الصائم يحتجم 1/ 372 وإرواء الغليل 4/ 65 - 71.