إذا كان المثال الأول للحديث المعلول من مرويات الثقات فإن المثال الثاني يكون لما رواه الضعيف، وهو ما رواه ابن أبي ليلى عن سلمة بن كهيل عن حجية بن عدي عن علي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (آمين) حين يفرغ من قراءة فاتحة الكتاب [1] .
يقول أبو حاتم في كتاب أسماه (علل الحديث) : ''هذا خطأ عندي، إنما هو سلمة عن حجر أبي العنبس [2] عن وائل بن حجر عن النبي صلى الله عليه وسلم ''.
هذا إسناد لا يلمس في ظاهره أن ابن أبي ليلى أخطأ في حديثه هذا، مع كونه ضعيفا، وبهذا تحققت سلامة ظاهر الحديث عن الخطأ، ولم يكن أبو حاتم قد أدرك ذلك لمجرد كونه ضعيفا، بل اكتشف خطأه من خلال القرائن المحيطة بروايته.
ومن القرائن مخالفة ابن أبي ليلى لأصحاب سلمة بن كهيل، إذ قال عنه ما لا يعرفونه، بل كان الجميع من أصحابه قد اتفقوا على أن سلمة بن كهيل إنما حدث بهذا الحديث عن حجر عن وائل، ولو حدث سلمة بن كهيل عن حجية بن عدي أيضا لسمعه سفيان وشعبة وأمثالهما، وما غاب عنهم هذا العلم الجديد، باعتبارهم ألزم الناس لسلمة، وأجمعهم لأحاديثه، ومن المستبعد عادة أن يقع هذا الحديث عن سلمة عند ابن أبي ليلى دون غيره من الثقات، وقول أبي حاتم: ''هذا خطأ، إنما هو سلمة عن حجر عن وائل'' يدل على معرفته بالواقع الحديثي بالنسبة إلى سلمة.
وصنيع أبي حاتم في علله هو ذاته صنيع الأئمة النقاد في كتبهم في العلل عموما، لم تكن أحاديث الضعفاء مبعدة عنها، بل هي تشكل موضوعات هذه الكتب كأحاديث الثقات.
(1) - أخرجه ابن أبي حاتم في علله 1/ 93.
(2) - كذا في العلل، والصواب فيه حجر بن العنبس كما حقق النقاد.