وبهذه الأمثلة تبين لنا جليا أن العلة عبارة عن خطأ الراوي، سواء أكان ثقة أم ضعيفا، سواء أكان الوهم في الإسناد أم في المتن أم في كليهما.
لقد مضى أن العلة لا تعرف إلا بالقرائن والملابسات التي تحيط بالحديث، ويتوقف ذلك على قدر كبير من الحفظ والفهم والمعرفة، ومن هنا قال بعضهم:''معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل''، وقال آخر: ''هي إلهام، لو قلت للقيم بالعلل: من أين لك هذا؟ لم تكن له حجة''، يعني حجة يقتنع بها العوام، وإلا فلدى النقاد قرائن وحجج قد تفيد اليقين.
وحسب الخلفيات العلمية التي يتميز بها الناقد تتفاوت العلل في مستوى الظهور والغموض، ففي العلل ما هو أغمض وأدق ولا يدركه إلا الجهبذ الفطن لما يتميز به من ذوق حديثي، ولا يملك فيه عبارة توفي بإحساسه في ذلك، أو أسلوبا يقتنع به الباحثون العاديون، وهنا يتحقق القول بأن العلة إلهام أو كهانة، وكثيرا ما يتجسد ذلك في مسألة التفرد بشكل أوضح.
يقول أبو حاتم: ''جاءني رجل من جِلَّة أصحاب الرأي من أهل الفهم منهم، ومعه دفتر فعرضه علي، فقلت في بعضها: هذا حديث خطأ، قد دخل لصاحبه حديث في حديث، وقلت في بعضه: هذا حديث باطل، وقلت في بعضه: هذا حديث منكر، وقلت في بعضه: هذا حديث كذب، وسائر ذلك أحاديث صحاح''.
''فقال لي: من أين علمت أن هذا خطأ، وأن هذا باطل، وأن هذا كذب؟ أخبرك راوي هذا الكتاب بأني غلطت وأني كذبت في حديث كذا؟ فقلت: لا، ما أدري هذا الجزء من رواية من هو؟ غير أني أعلم أن هذا خطأ، وأن هذا الحديث باطل، وأن هذا الحديث كذب، فقال: تدعي