والتضعيف، وفهم ما تضمنته مصطلحاتهم في ذلك من الأبعاد النقدية، كالتفرد والمنكر والغريب وزيادة الثقة، كما يأتي بيانها في مسألة المخالفة إن شاء الله.
ولذلك فإن هاتين النقطتين، وما يتعلق بهما من المسائل والمصطلحات تكون المحور الرئيس في المباحث الآتية، وإن كان بين المخالفة والتفرد نوع من التلازم، بحيث نرى بعض المتقدمين يكتفي بذكر أحدهما مستغنيا عن الآخر، كالإمام مسلم في مقدمته؛ حيث اكتفى بذكر المخالفة في مناسبة شرح المنكر، والإمام أبي داود في رسالته إلى أهل مكة إذ ركز على التفرد [1] فإن الفصل بينهما لدى البحث والتقعيد يساعد القارئ على اهتمامه بالنقاط الجوهرية التي تكمن فيهما، دون أن يكون أمامه التباس وتداخل، ولذا فأول نقطة سأتطرق لها هي المخالفة.
قال الإمام مسلم (رحمه الله تعالى) :''فاعلم! (أرشدك الله) أن الذي يدور به معرفة الخطأ في رواية ناقلي الحديث - إذا هم اختلفوا فيه - من جهتين:
إحداهما: أن ينقل الناقل حديثا بإسناد فينسب رجلا مشهورا بنسب في إسناد خبره خلاف نسبته التي هي نسبته، أو يسميه باسم سوى اسمه، فيكون خطأ ذلك غير خفي على أهل العلم حين يرد عليهم [2] .
والجهة الأخرى: أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثا عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد مجتمعون على روايته
(1) - رسالة أبي داود إلى أهل مكة 1/ 29 (تحقيق محمد الصباغ، دار العربية، بيروت)
(2) - هذا نص واضح على أن العلة ليست خفية ولا غامضة بالنسبة إلى أهل العلم من النقاد، وكلما تتعمق المعرفة الحديثية تكون العلة أكثر وضوحا، وجلاء، ولا ينبغي أن يزاحمهم من لم يبلغ درجتهم فيها، ويرفض حكمهم بحجة أنه لم يتضح له ذلك، وقد قال بعض المعاصرين غرورا: ''ولا أقبل العلة إلا إذا ظهر ت مثل الشمس''، وهو يرد بهذه الحجة الواهية ما صدر عن الإمام البخاري وغيره من الأئمة من التعليل.