فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 133

في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه فيخالفهم في الإسناد أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ، فيعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ، دون الواحد المنفرد وإن كان حافظا، على المذهب الذي رأينا أهل العلم بالحديث يحكون في الحديث، مثل شعبة وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من أئمة أهل العلم"اهـ [1] ."

يعد هذا النص نفيسا جدا إذ يصدر من الإمام مسلم الناقد الجهبذ وهو يرسم للقارئ منهج النقاد في معرفة الخطأ، والذي ينبغي أن نفهم من هذا النص أن المخالفة ليست على إطلاقها، وإنما هي ما يكون مخالفا للأمر الواقع، وقد جاء عن الإمام ابن الصلاح هذا المعنى حين قال في مقدمته:

''ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي، وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك، تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه'' [2] .

وقد اتضح بذلك أن المخالفة لا تكون دائما دليلا على خطأ الراوي، وإنما الذي يخالف الأمر الواقع والثابت فقط.

لعل من طبيعة الأمور أن يختلف رواة الحديث، سندا ومتنا، أو في أحدهما أو في جزء منهما، ولا غرابة في ذلك، إذ يستحيل عرفا أن يكون الرواة في مستوى واحد من الاهتمام والتيقظ والتثبت والدقة والضبط، فمنهم من يعتمد الكتاب في الرواية، ومنهم من يعتمد ذاكرته، ومنهم من

(1) - التمييز ص: 124 - 126.

(2) - ابن الصلاح، علوم الحديث (المشهور بمقدمة ابن الصلاح) ص: 90

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت