ومن تتبع عمل النقاد في هذا الجانب علم أنه لا ينبغي إطلاق القول بأن الإرسال لا يضر المسند، وعلى كل حال فإن هذا النص يعطيك صورة واضحة عن طبيعة منهج الإمام الخليلي في التصحيح والتضعيف، وهي تشكل نقطة تباين منهجي بينه وبين نقاد الحديث.
توضيح ذلك أن المحدثين النقاد - في حالة وجود خلاف بين رواة الحديث وصلا وإرسالا، كغيره من الاختلاف - يعتمدون في الحكم القرائن التي تحف بالحديث، كما سيأتي في نص الإمام ابن الصلاح حول العلة، وأنهم لا يطلقون القبول على المتصل، وأما الخليلي فأطلق الحكم بالقبول في تلك الصورة التي ذكرها. وعلى مذهب الخليلي نجد معظم الفقهاء المتأخرين [1] ، كما يأتي تفصيله (إن شاء الله) .
ويمكن أن نبرر موقف الخليلي تجاه هذا النوع من الاختلاف بأن بعض الثقات قد يروي الحديث مرسلا بعد أن رواه متصلا حسب نشاطه في التحديث، دون أن يكون ذلك اضطرابا منه، وقد يقع للمحدث شك حول اسم الصحابي، أو وصل الحديث، فيتحفظ عن روايته متصلا، ويرويه مرسلا بالاحتياط، بعد أن رواه متصلا، كما حدث ذلك لمالك وأيوب السختياني وغيرهما من الثقات الذين يكون من عادتهم أن لا يرووا الحديث على التوهم والشك. ولاحتمال أن يكون ذلك سبب الاختلاف في الوصل والإرسال فلعل الخليلي قد أطلق القول بأن الإرسال لا يضر المسند. (والله أعلم)
وإن كان هذا الأمر قد وقع بالنسبة إلى بعض الروايات المختلفة، فإنه لا ينبغي الحمل على ذلك السبب كلما وقع الاختلاف في الوصل والإرسال، ولا يقال إذن إن الوصل مقبول، ولا يضره الإرسال، وإنما يتوقف الحكم في ذلك قبولا وردا على معرفة القرائن التي تدل على سبب الاختلاف.
(1) - انظر مقدمة كتاب الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين، للمؤلف