وكذلك ما افتراه كثير من أعداء الإسلام والمنافقين أن الإيمان بقضاء الله وقدره يحدث الفتور والاستسلام وعدم الحركة ; وهذا الزعم منهم افتراء ظاهر وكذب صريح ; فإن الدين الإسلامي قد أمر بأصلين عظيمين لا تتم الأمور كلها إلا باجتماعهما ; أحدهما: الإيمان بقضاء الله وقدره , وأن الأمور كلها والأسباب مربوطة بالقضاء والقدر , وأنه ما شاء الله كان , وما لم يشأ لم يكن ; الأصل الثاني: الأمر بالأعمال النافعة في الدين والدنيا , والبعد عن الأسباب الضارة. وكل واحد من الأصلين يمد الآخر ; فالإيمان بالقضاء والقدر يمد العاملين وينشطهم ويوجب لهم اقتحام الأمور الصعبة اتكالا على الله واستمدادا من حوله وقوته , ويزيل من قلوبهم خوف المخلوقين , الذين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا , والسعي والعمل هو من قضاء الله وقدره , فإنه أخبر أنه يوجد الأشياء بأسبابها , ولهذا يجمع الله بين الأصلين في مواضع كثيرة من كتابه مثل قوله: {لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} [سورة التكوير: الآيتان 28 , 29] وقوله: {إنه تذكرة فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله} [سورة المدثر: الآيات 54 - 56] وقوله تعالى: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} [سورة الليل: الآيات 5 - 10] فأمر بالأعمال ورغب فيها , ووعد التيسير لليسرى لمن قام بالأسباب النافعة , والتيسير للعسرى لمن ترك الأسباب النافعة.