الدين عرف عظيم منة الله به على الخلق، وأن من نبذه وقع في الباطل والضلال والخيبة والخسران؛
لأن الأديان التي تخالفه ما بين خرافات وثنيات، وما بين إلحاد وماديات، تجعل قلوب أهلها أعمالهم
كالبهائم بل هم أضل سبيلاً؛ لأن الدين إذا ترحل من القلوب ترحلت الأخلاق الجميلة، وحل محلها
الأخلاق الرذيلة، فهبطت بأهلها إلى أسفل الدركات، وصار أكبر همهم ومبلغ علمهم التمتع بعاجل
الحياة. والحمد لله رب العالمين.
لقد غلط كثير من الناس في مسمى العلم الصحيح الذي ينبغي ويتعين طلبه والسعي إليه على قولين
متطرفين: أحدهما أخطر من الآخر.
فالأول: قول من قصر العلم على بعض مسمى العلم الشرعي، المتعلق بإصلاح العقائد والأخلاق
والعبادات، دون ما دل عليه الكتاب والسنة: من أنَّ العلم يشمل علوم الشرع ووسائلها، وعلوم
الكون، وهذا قول طائفة مِمَّن لَمْ تتبصر بالشريعة تبصرًا صحيحًا، ولكنهم الآن بدءوا يتحللون من هذا
الإطلاق، لما رأوا من المصالح العظيمة في علوم الكون، وحين تنبه كثير منهم لدلالات نصوص الدين
عليه.
والثاني: قول من قصر العلم على العلوم العصرية، التي هي بعض علوم الكون، وهذا القول إنما نشأ
من انحرافهم عن الدين وعلومه وأخلاقه. وهذا غلط عظيم حيث جعلوا الوسائل هي المقاصد، وحيث
نفوا من العلوم الصحيحة والحقائق النافعة ما لا تنسب إليه العلوم العصرية بوجه من الوجوه،
وغرَّهم ما ترتب عليهم من الصناعات والمخترعات، وهؤلاء هم المرادون بقوله تعالى: )فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ
رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون( [غافر:83] . فهم فرحوا
بعلومهم واستكبروا بِهَا، واحتقروا علوم الرسل، حتى نزل بِهِم ما كانوا به يستهزئون من الحق، ونزل