الصفحة 14 من 66

والرباط فُسر: بأنه ملازمة السبل المخوفة التي يأتي منها العدو، وكان المرابطون عادة يقفون في الثغر الذي يُخاف أن يأتيّ الأعداء منه، فيبيتون المسلمين على غرة وغفلة، فهؤلاء الذين يلزمون هذا الثغر لأنهم متعرضون للقتل؛ ومتعرضون لأن يفاجئهم العدو فيحصل بينهم قتال وهم أعداد قلة هؤلاء هم أهل الرباط.

قال ابن قدامة رحمه الله:

(معنى الرباط، الإقامة بالثغر مقوِّيًا للمسلمين على الكفار، والثَّغر كل مكان يخيف أهله العدو ويخيفهم. وأصل الرباط من ربط الخيل، لأن هؤلاء يربطون خيولهم، كلٌ يُعِدُّ لصاحبه، فسُمِّي المقام بالثغر رباطًا، وإن لم يكن فيه ... وأفضل الرباط المقام بأشد الثغور خوفًا، لأنهم إليه أحوج، ومقامه به أنفع .. ) المغني (9/ 203)

وقال الإمام المالكي أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن (الرباط: هو حبس النفس في سبيل الله حراسة للثغور أو ملازمة للأعداء) . وفي فتح القدير) ومن توابع الجهاد الرباط وهو الإقامة في مكان يتوقع هجوم العدو فيه لقصد دفعه لله تعالى).

(موضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها) ، فمن حصل له من الجنة موضع السوط فذلك الموضع خير من الدنيا وما فيها، والسوط هو: العود الذي كانوا يضربون به، العصا التي يضرب بها، والسوط موضعه قدر ذراع أو ذراعين. وقال النووي: (الغدوة ـ بفتح الغين ـ: السير أول النهار إلى الزوال، والروحة: السير من الزوال إلى آخر النهار) شرح مسلم (13/ 39) . يعني الغدوة هي: المسير أول النهار، والروحة هي: المسير آخر النهار، فكأنه بأبي وأمي عليه وآله الصلاة والسلام يقول: الغازي إذا سار في سبيل الله من أول النهار إلى وسط النهار فالمسيرة هذه أجره فيها أكبر من أن تحصل له الدنيا وما عليها، وكذلك لو سار من وسط النهار إلى آخر النهار روحة فهي خير له من الدنيا وما عليها، فتبين بذلك فضيلة هذه الأعمال، فبمثل هذا الحديث ونحوه يرغب المسلم في أن ينتظم في الجهاد، وأن يجاهد في سبيل الله.

وقال الإمام النووي (ومعنى هذا الحديث أن فضل الغدوة والروحة في سبيل الله وثوابهما خير من نعيم الدنيا كلها لو ملكها إنسان وتصور تنعمه بها كلها لأنه زائل ونعيم الآخرة باق. قال القاضي: وقيل في معناه ومعنى نظائره من تمثيل أمور الآخرة وثوابها بأمور الدنيا أنها خير من الدنيا وما فيها لو ملكها إنسان وملك جميع ما فيها وأنفقه في أمور الآخرة، قال هذا القائل: وليس تمثيل الباقي بالفاني على ظاهر إطلاقه والله أعلم) .شرح مسلم \ النووي

وقال الإمام محمد بن علي الشوكاني (والحاصل أن المراد تسهيل أمر الدنيا وتعظيم أمر الجهاد وأن من حصل له من الجنة قدر سوط يصير كأنه حصل له أعظم من جميع ما في الدنيا فكيف لمن حصل منها أعلى الدرجات. والنكتة في ذلك أن سبب التأخير عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدنيا) نيل الأوطار 7\ 209

قال ابن دقيق العيد: (يحتمل وجهين أحدهما أن يكون من باب تنزيل المغيب منزلة المحسوس تحقيقًا له في النفس لكون الدنيا محسوسة في النفس مستعظمة في الطباع، فلذلك وقعت المفاضلة بها، وإلا فمن المعلوم أن جميع ما في الدنيا لا يساوي ذرة مما في الجنة، والثاني أن المراد أن هذا القدر من الثواب خير من الثواب الذي يحصل لمن لو حصلت له الدنيا كلها لأنفقها في طاعة الله تعالى. قال الحافظ: ويؤيد الثاني ما رواه ابن المبارك في كتاب الجهاد من مرسل الحسن قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشًا فيهم عبد الله ابن رواحة فتأخر ليشهد الصلاة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(والذي نفسي بيده لو انفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم) والحاصل أن المراد تسهيل أمر الدنيا وتعظيم أمر الجهاد وأن من حصل له من الجنة قدر سوط يصير كأنه حصل له أمر عظيم من جميع ما في الدنيا، فكيف بمن حصل منها أعلى الدرجات، والنكتة في ذلك أن سبب التأخير عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدنيا. فنبه هذا المتأخر أن هذا القدر اليسير من الجنة أفضل من جميع ما في الدنيا). تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي 5\ 232

وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري فقال (ووقع في حديث سلمان عند أحمد والنسائي وابن حبان"رباط يوم أو ليلة خير من صيام شهر وقيامة"ولأحمد والترمذي وابن ماجه عن عثمان"رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل"قال ابن بزيزة: ولا تعارض بينهما لأنه يحمل على الإعلام بالزيادة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت