في الحفظة يوم اليمامة فكان أهل القرآن وأهل الحديث يتسابقون في الذود عن لا إله إلا الله، ويتسابقون في الجهاد في سبيل الله، فشتان شتان بين السلف - رضي الله عنهم- وبين من يدَّعون الانتماء بدون عمل، قرأ قصة سالم مولى أبو حذيفة - رضي الله عنه - يوم اليمامة، يوم تصادمت الزحوف وتضعضعت الصفوف، فلما حمل الراية سالم - رضي الله عنه- قال له بعض القوم: نخشى أن نؤتى من قبلك يا سالم، قال قولته المشهورة التي ترن في أذان أصحاب القلوب الحية، قال: بئس حامل القرآن أنا إن أوتيتم من قبلي، هكذا في آذان أصحاب القلوب الحية، قال: بئس حامل القرآن كان أهل العلم، وهكذا كان أهل القرآن وأهل الحديث، فترك عبد العزيز الزهراني تصدر المجالس لإعطاء الدروس وذهب وحمل الراية يوم تحطيم الأصنام في أميركا، ولم يؤتَ المسلمون من قبله، وكان فعله أكثر أثرًا من ملايين الكتب في توظيف عقيدة الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين. أبو العباس جدد معنى العالم الرباني وأعاد الأمر إلى أصله كما كان السلف يحتسبون ولا يتوظفون، نفر من الطغاة ووظائفهم، أدرك منهج السلف - رضي الله عنهم- وفقه وعلم أن فضل العلم مقيد بالعمل به، فلم يتخذ العلم عملًا، وإنما طلب العلم ليعمل به على بصيرة. كيف يقعد الشيخ عبد العزيز الزهراني ويحفظ من مورثه خاتم الأنبياء والمرسلين - عليه الصلاة والسلام- حديثه كما في الصحيح:"والذي نفس محمد بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلف سرية تغزو في سبيل الله أبدًا"كيف يقعد وهو يردد قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث نفسه"والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل".. )
26 -عن جابرٍ، قال: قال رجلٌ يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الجِهَاد أَفْضَلُ؟ قالَ: «أنْ يُعْقَرَ جَوَادُكَ ويُهْرَاقَ دَمُكَ» رواه ابن حبان
شرح الحديث
وأصلُ العقر: ضَرْب قوائِم البعير أو الشاةِ بالسيفِ وهو قائمٌ.
(أي أسيل دمه وأهلك في أول دفعة أي قطرة من الدم(وعقر جواده) أي جرح فرسه وضربت قوائمه بالسيف وفي الصحاح: عقر الفرس بالسيف فانعقر: أي ضرب قوائمه. وقال الزمخشري: تقول إن بني فلان عقروا مراعي القوم إذا قطعوها وأفسدوها والجواد الفرس الجيد) المرجع \ فيض القدير \ 2\ 35 لعبد الرؤوف المناوي.
كان سلفنا الصالح يقدمون دمائهم رخيصة في سبيل الله لأنهم علموا وأيقنوا بأن الموت في سبيل الله راحة للأجساد والنفوس, وسير أهل الجهاد كثيرة جدا فقد ذكر ابن كثير في سيرة الامير عبد الوهاب بن بخت وقصة استشهاده فقال:
(وذلك أنه لقي العدو ففر بعض المسلمين فجعل ينادي ويركض فرسه نحو العدو أن هلموا إلى الجنة ويحكم أفرارا من الجنة أتفرون من الجنة إلى أين ويحكم لا مقام لكم في الدنيا ولا بقاء ثم قاتل حتى قتل رحمه الله) البداية والنهاية \ 9\ 304
حياة الصاحبة كانت رائعة جدا فقد تعلق الصحابة الكرام بحب الشهادة حتى غدت أقوالهم تتغنى بشعر الجهاد وطلب الشهادة فهذا عبد الله بن رواحة- رضي ا لله عنه-يقول
لكنني أسأل الرحمن مغفرةً ** وضربةً ذات فرغ تقذفُ الزبدا
أو طعنةً بيدي حران مجهزة** بحربةٍ تنفذ الأحشاء والكبدا