الصفحة 6 من 66

إن من دواعي إنقداح الكتابة في هذا الموضوع وأسباب تأليفي لهذا الكتاب هو زهد طلاب العلم بالجهاد وفضله وأنهم لا يتكلمون عن الجهاد ولا يأتون على سير المجاهدين خوفا على دنياهم وأنفسهم من بطش الطواغيت. ولأن الله جل جلاله أمر سيدنا محمدًا عليه وآله الصلاة والسلام فقال {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللّهُ أَشَدُّ بَاسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا} النساء84 ولولا هذا الأمر لما وضعت سوداء على بيضاء فكان هذا الكتاب تحريضا على جهاد الطواغيت عربا كانوا أم عجما.

وكذلك كي يكون المجاهد على بينة وعلم بفضل الجهاد ورفعة منزلته لأن سيدنا عمر بن عبد العزيز يقول (الذي يعمل بغير علم يفسد أكثر مما يُصلح) ولأن المجاهدين هم أمل هذه الأمة وهم قادتها الذين يسيرون بها إلى شاطئ الأمان كان لا بد من تذكيرهم بفضائل الجهاد, وللعلم فإن المجاهدين هم أصدق الناس لهجة وأعلمهم بدين الله ولكن من باب التذكير فإن أهل الجهاد لهم آذان صاغية وليس كغيرهم من الذين ضُرب على آذانهم في الكهف سنين عددا.

وكذلك إن من أسباب كتابتي لهذا الكتاب هو إتهام المجاهدين بأنهم لا يُحسنون الصلاة والوضوء وإنهم أجهل خلق الله بمصالح العباد وفقه الواقع وللأسف فإن هذه الإتهامات الكاذبة تأتي من طلاب العلم الذين يخذلون الأمة عن الجهاد بحجج أوهى من بيت العنكبوت فتارة يقولون بأن الحكام مسلمين وان النصارى لهم ذمة مؤبدة وأن طاعة ولي الأمر واجبة وان الجهاد بحاجة لإذن ولي الأمر وأن الصلح مع اليهود جائز وغيرها من الحجج التي تتهاوى كالزجاج أمام أقل طالب علم مجاهد.

إني كتبت هذا الكتاب ونحن نعيش غربة الدين ونعيش وقد تكتل وتجمع العالم لقتالنا وأحاطوا بنا إحاطة السوار بالمعصم فكان تأليف هذا الكتاب في هذا الواقع ليس مستغربا فإن العلماء كانوا يؤلفون الكتب لحث الأمة على الجهاد.

وفي هذا يقول الإمام أبو زكريا أحمد بن إبراهيم بن محمد الدمشقي ثم الدمياطي المشهوربابن النحاس (المتوفى سنة 814 هـ) وقد لقي الله شهيدًا في غزو الصليب مقبلًا غير مدبر أن سبب تأليف كتاب"مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق، ومثير الغرام إلى دار السلام".قال إبن النحاس:

(ولما رأيت الجهاد في هذا الزمان قد درست آثاره فلا ترى، وطمست أنواره بين الورى، وأعتم ليله بعد أن كان مقمرا، وأظلم نهاره بعد أن كان نيرا، وذوى غصنه بعد أن كان مورقا، وانطفأ حسنه بعد أن كان مشرقا، وقفلت أبوابه فلا تطرق، وأهملت أسبابه فلا ترمق، وصفنت خيوله فلا تركض، وصمتت طبوله فلا تنبض، وربضت أسوده فلا تنهض، وامتدت أيدي الكفرة الأذلاء إلى المسلمين فلا تقبض، وأغمدت السيوف من أعداء الدين، إخلادًا إلى حضيض الدعة والأمان، وخرس لسان النفير إليهم فصاح نفيرهم في أهل الإيمان، وآمت عروس الشهادة إذ عدمت الخاطبين، وأهمل الناس الجهاد كأنهم ليسوا به مخاطبين، فلا نجد إلا من طوى بساط نشاطه عنه أو اثّاقل إلى نعيم الدنيا الزائل رغبة منه، أو تركه جزعًا من القتل وهلعا، أو أعرض عنه شحًا على الإنفاق وطمعا، أو جهل ما فيه من الثواب الجزيل، أو رضي بالحياة الدنيا من الآخرة، وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل) . انتهى

وكذلك كانت هناك خطبًا رنانة تحث الأمة على الجهاد في وقت كان هناك دولة تحكم بشريعة الله فقد خطب الإمام العالم ابن الجوزي في الناس يحثهم على الجهاد والحفاظ على بيضة هذا الدين ودفع الكافرين عن ديار المسلمين، بعد أن تخلف الناس وتقاعسوا عن النفير، فقال: (أيها الناس؛ مالكم نسيتم دينكم، وتركتم عزتكم وقعدتم، عن نصر الله فلم ينصركم؟ حسبتم أن العزة للمشرك وقد جعل الله العزة ولرسوله وللمؤمنين، يا ويحكم!

أما يؤلمكم ويشجي نفوسكم مرأى عدو الله وعدوكم يحظرعلى أرضكم التي سقاها بالدماء آبائكم يذلكم ويستعبدكم وأنتم كنتم سادات الدنيا؟

أما يهز قلوبكم وينمي حماستكم مرأى إخو ان لكم قد أحاط بهم العدو وسامهم ألوان الخسف؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت