عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا} قَالَ: «مَنْدُوحَةً عَمَّا يَكْرَهُ»
وَقَالَ آخَرُونَ: مُبْتَغَى مَعِيشَةٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُرَاغَمُ: الْمُهَاجَرُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ بَيَّنَّا أَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ.
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي مَعْنَى السَّعَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَقَالَ: {وَسَعَةً} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ السَّعَةُ فِي الرِّزْقِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: {يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} أَيْ وَاللَّهِ مِنَ الضَّلَالَةِ إِلَى الْهُدَى , وَمِنْ الْعَيْلَةِ إِلَى الْغِنَى.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّ مَنْ هَاجَرَ فِي سَبِيلِهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُضْطَرَبًا وَمُتَّسَعًا؛ وَقَدْ يَدْخُلُ فِي السَّعَةِ , السَّعَةُ فِي الرِّزْقِ , وَالْغِنَى مِنَ الْفَقْرِ؛ وَيَدْخُلُ فِيهِ السَّعَةُ مِنْ ضِيقِ الْهَمِّ , وَالْكَرْبِ الَّذِي كَانَ فِيهِ أَهْلُ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ , وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي السَّعَةِ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى الرَوْحِ وَالْفَرَجِ مِنْ مَكْرُوهِ مَا كَرِهَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَقَامِهِمْ بَيْنَ ظَهْرَيِ الْمُشْرِكِينَ وَفِي سُلْطَانِهِمْ.
وَلَمْ يَضَعِ اللَّهُ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ: {وَسَعَةً} بَعْضَ مَعَانِي السَّعَةِ الَّتِي وَصَفْنَا , فَكُلُّ مَعَانِي السَّعَةِ هِيَ الَّتِي بِمَعْنَى الرَوْحِ وَالْفَرَجِ مِمَّا كَانُوا فِيهِ مِنْ ضِيقِ الْعَيْشِ وَغَمِّ جِوَارِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَضِيقِ الصَّدْرِ بِتَعَذُّرِ إِظْهَارِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَإِخْلَاصِ تَوْحِيدِهِ وَفِرَاقِ الْأَنْدَادِ وَالْآلِهَةِ , دَاخِلٌ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ تَأَوَّلَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذِهِ الْآيَةَ , أَعِنِّي قَوْلَهُ: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} أَنَّهَا فِي حُكْمِ الْغَازِي يَخْرُجُ لِلْغَزْوِ فَيُدْرِكُهُ الْمَوْتُ بَعْدَ مَا يَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ فَاصِلًا فَيَمُوتُ , أَنَّ لَهُ سَهْمَهُ مِنَ الْمَغْنَمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ.