فهرس الكتاب
فأردف موسى - عليه السلام - تعريفا أخص بهم مما تقدم ذكره، لعله أن يفهم عنه بقوله
-عليه السَّلام -: (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) فتحقق جهل فرعون بجهل
نفسه، وتقوى عنده ضلالة وفتنة، بأنه هو الحق الذي يقال له: ما هو؟ فقال لمن
حوله: لا تخاطبوا موسى، ولا تواجهوه لجهله به (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ
لَمَجْنُونٌ (27) . إذ لا يعرف هذه الحقيقة الذي عنده من جهله بنفسه،
فتدين لهما الدين يقال له: ما هو؟!
ولما كان هذا المعنى الذي هو أول الموجودات في كل شيء موجود، وهو
المعنى الذي يخاطب العقول، ويشهد عند أولي الألباب بما هو عليه من الحدث
والعبودية والافتقار إلى بارئه جل ذكره لما هو عليه من العلاء والغنى وحقيقة
الربوبية، وسمات الجلال ونعوت التعالي ويسبح الله ويحمده.
وجدوه أيضًا في الموجودات وجدًا لا هداية بل جهلآ وعمى عنه، تعبدوا من
أجل ذلك بجميع الموجودات، ودانوا لها بالخضوع والعبادة، فكفروا بالخالق العلي
-جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه المشهود له فيها وبها ومنها بالحق، ومنهم من أشرك، فكان
ضلالهم من حيث هداية المهتدين بتقدير من عزيز عليم، فما من أحد عبد غير الله
هداية أو ضلالة خطأ أو إصابة.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ
وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (66) .
وقال جلَّ قوله: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) .
(مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) سبحانه وله الحمد المحمود
بكل لسان المعبود بكل جهة ما أشبههم بالفراش في ضياء النار، يتهافتون فيه هلاكًا
كما اهتدى به مستوقدها، والمستضيء بها لقضاء حاجته كذلك أهلك هؤلاء بما
اهتدى به المتعبدون والمؤمنون، والحمد لله رب العالمين.
(فصل)
من الإحكام في طلب الحكمة أن يترقوا بالنظر في الموجودات أعدادها