فهرس الكتاب
وظواهرها، وصناعة الصانع لها - جلَّ جلالُه - إلى مرتقى، وفي هذا الفصل معرفة والصعود
في درجات المعرفة به، ثم إلى كيف هي، ثم إلى لِمَ أوجدها موجدها جل ذكره
فهجم بك حينئذٍ العلم إلى شرف تبصر من مستوى الخليقة فيه الحق بكماله إن
كنت تحسن أن ترى.
فإن كنت ترى فسترى بما له غاية ما لا غاية له، وبما له ضد ما ليس له ضد في
ذاته يزاحمه، ولا منفصل عنه يضاده، وهو السلم المؤمن، وترى بما له خارج من
ذاته بلى قصر على وجود نفسه أو قارب ذلك ما ليس بخارج من ذاته شيء ، بل كل
وجود في وجوده العلي(وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ).
كذلك قال جل قوله للقلم:"اكتب علمي في خلقي".
وقال جلَّ قوله: (وهو على كل شيء قدير) ما شاء كان ولم يشأ لم يكن"ولا"
يكون، لأنه من لا غاية له لا يشذ شيء عن وجوده العلي، هو كل الكل، كل ذي
وجود ليس هو قائم بذاته تجده خارجًا من ذاته هو مفتقر إلى سواه، والمستغني عن
سواه ليس إلا هو، وما سواه مفتقر إليه عبد له.
فهكذا فلتسلك في طلب الحكمة، فإنه لمن الواجب أن يوجه الفكر نحو
المعلوم؛ ويوجه الوهم نحو المحسوس والعقل به كعقل ما يعلمه، وبحقيقة الإيمان
رؤية المطلوب يهديهم ربهم بإيمانهم، فهو نور الباطن، وبه يراه أولوا الألباب في
هذه الحياة الدنيا، وهو المستصبح به فيما هنالك والهادي إليه، والمطلوب العلي
وحده لولا الله ما عرف الله.
(فصل)
قد جعل الله لكل شيء دركًا، فمن أتى البيوت من أبوابها دخلها، ومن أتاها من
غير ذلك عسر عليه مطلبه لا ينال شيئًا إلا من حيث جعله الله دركًا له، ولو رامه
طالبه من في السماوات ومن في الأرض، بل هو لا يزيد إلا ضلالا وبعد عن مطلبه،
فمن طلب الحكمة من طريق مطلبها أدركها في يسر وعافية.
وإنما أخطأها أكثر من طلبها، لأنه طلبها من غير طريقها، وبغير السبب الذي
جعله الله - جلَّ جلالُه - دركًا لها، فربما لم يدركها بما تقدم ذكره، فلم يطلبها بعد من طريق
أخرى بل كذب بصورتها، وبحمل جهله على أن يجهل جهله، ويجهل صورة جهله،