فهرس الكتاب
ومنها يتبين أن الخطأ الكامل ما يكون انحرافا في الإرادة، بأن يريد ما لا تصح إرادته، ويأثم بهذه الإرادة، ومن ذلك كلمة"خطيئة"فإنها تستعمل في كثير من آي القرآن فيمن يرتكب الشر، منحرف النفس،، حتى أنه يصدر عنه من غير تكلف، ولا معاناة، ومن ذلك قوله تعالى: (بَلَى من كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بهِ خَطِيئَتُة. . .) ، وقوله تعالى أيضا: (. . . وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا(24) مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا. . .)، وكانت الخاطئة هي الذنب العظيم، ومن ذلك قوله تعالى: (. . . وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ) .
وعلى ضوء هذه المعاني نقول: إن الخطيئة هنا في قوله تعالى: (وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً) هي الذنب العظيم، الذي تمرست به النفس، حتى صار وصفا من أوصافها، يصدر عنها من غير قصد، بل هو انحراف النفس التي أحاطت بها ظلمات الشر، والإثم هو الذنب المبطئ عن الاتجاه إلى الله بالاستغفار.
وإن جريمة هؤلاء جريمتان: إحداهما ارتكاب الشر والإيغال فيه، والثانية أنهِم يرمون البرآء به، ولذا قال تعالى: (ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينَا) .
وإن هذه الجريمة تتضمن هي الأخرى في ثناياها جريمتين: إحداهما - البهتان، وهو الكذب الذي لَا يتصور عند أهل الخير وقوعه، والثانية - إثم واضح، وهو إلقاء التبعة على الغير، إذ إنه كذب حير البريء وأذْهله.
وإن هؤلاء، مع هذه الذنوب التي يرتكبونها، منافقون يظهرون غير ما يبطنون، وهم شر الجماعة الذين يسعون بالفساد في الأرض، وأن السعاية التي يرتكبونها بنفاقهم توجب قطعهم عن الأمة، ولقد أوجب بعض الفقهاء عقابهم. وإن هؤلاء يفسدون الحكام على شعوبهم، ويسعون في الأرض فسادا بجرمهم، وإن الله يحذر نبيه من أمثالهم، وهو قدوة حسنة لكل الحكام.
(وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ ...(113)