وأحسن ما ذكره الفلاسفة في الاعتذار عنه ، أنه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة الضوء ، مثل ارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك ، فلما كانت تلك الأجرام أقل ضوأ من جرم القمر ، لا جرم شوهدت تلك الأجرام في وجه القمر كالكلف في وجه الإنسان ، وهذا لا يفيد مقصود الخصم ، لأن جرم القمر لما كان متشابه الأجزاء فلم ارتكزت تلك الأجرام الظلمانية في بعض أجزاء القمر دون سائر الأجزاء ؟ وبمثل هذا الطريق يتمسك في أحوال الكواكب ، وذلك لأن الفلك جرم بسيط متشابه الأجزاء فلم لم يكن حصول جرم الكواكب في بعض جوانبه أولى من حصوله في سائر الجوانب ؟ وذلك يدل على أن اختصاص ذلك الكوكب بذلك الموضع المعين من الفلك لأجل تخصيص الفاعل المختار ، وكل هذه الدلائل إنما يراد من تقريرها وإيرادها التنبيه على أن المؤثر في العالم فاعل بالاختيار لا موجب بالذات ، والله أعلم.
أما قوله: {وَجَعَلْنَا آية اللنهار مبصرة} ففيه وجهان: الأول: أن معنى كونها مبصرة أي مضيئة وذلك لأن الإضاءة سبب لحصول الإبصار ، فأطلق اسم الإبصار على الإضاءة إطلاقاً لاسم المسبب على السبب.
والثاني: قال أبو عبيدة يقال: قد أبصر النهار إذا صار الناس يبصرون فيه ، كقوله: رجل مخبث إذا كان أصحابه خبثاء ، ورجل مضعف إذا كانت ذراريه ضعافاً ، فكذا قوله:
{والنهار مبصراً} [يونس: 67] ، أي أهله بصراء.
واعلم أنه تعالى ذكر في آيات كثيرة منافع الليل والنهار ، قال: {وَجَعَلْنَا الليل لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً} [النبأ: 10 ، 11] وقال أيضاً: {جَعَلَ لَكُمُ الليل والنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} [القصص: 73] .
ثم قال تعالى: {وَلِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ} أي لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم {وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب} .