ولقائل أن يقول: هذا الاستدلال ضعيف ، وبيانه من وجهين: الأول: أن نقول: لو لم يثبت الوجوب العقلي لم يثبت الوجوب الشرعي ألبتة ، وهذا باطل فذاك باطل بيان الملازمة من وجوه: أحدها: أنه إذا جاء المشرع وادعى كونه نبياً من عند الله تعالى وأظهر المعجزة ، فهل يجب على المستمع استماع قوله والتأمل في معجزاته أو لا يجب ؟ فإن لم يجب فقد بطل القول بالنبوة.
وإن وجب ، فإما أن يجب بالعقل أو بالشرع فإن وجب بالعقل فقد ثبت الوجوب العقلي ، وإن وجب بالشرع فهو باطل ، لأن ذلك الشرع إما أن يكون هو ذلك المدعي أو غيره ، والأول باطل لأنه يرجع حاصل الكلام إلى أن ذلك الرجل يقول: الدليل على أنه يجب قبول قولي أني أقول إنه يجب قبول قولي ، وهذا إثبات للشيء بنفسه ، وإن كان ذلك الشارع غيره كان الكلام فيه كما في الأول: ولزم إما الدور أو التسلسل وهما محالان.
وثانيها: أن الشرع إذا جاء وأوجب بعض الأفعال ، وحرم بعضها فلا معنى للإيجاب والتحريم ، إلا أن يقول: لو تركت كذا وفعلت كذا لعاقبتك فنقول: إما أن يجب عليه الاحتراز عن العقاب أو لا يجب ، فلو لم يجب عليه الاحتراز عن العقاب لم يتقرر معنى الوجوب ألبتة ، وهذا باطل فذاك باطل ، وإن وجب عليه الاحتراز عن العقاب ، فإما أن يجب بالعقل أو بالسمع ، فإن وجب بالعقل فهو المقصود ، وإن وجب بالسمع لم يتقرر معنى هذا الوجوب إلا بسبب ترتيب العقاب عليه ، وحينئذ يعود التقسيم الأول ويلزم التسلسل وهو محال.
وثالثها: أن مذهب أهل السنة أنه يجوز من الله تعالى أن يعفو عن العقاب على ترك الواجب وإذا كان كذلك كانت ماهية الوجوب حاصلة مع عدم العقاب ، فلم يبق إلا أن يقال: إن ماهية الواجب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من العقاب ، وهذا الخوف حاصل بمحض العقل ، فثبت أن ماهية الوجوب إنما تحصل بسبب هذا الخوف ، وثبت أن هذا الخوف حاصل بمجرد العقل ، فلزم أن يقال: الوجوب حاصل بمحض العقل.