وتلك الرؤيا أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى عام الحديبية قبل خروجه إلى الحديبية: كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين، وقد حلقوا رؤوسهم وقصروا، فقصّ الرؤيا على أصحابه، ففرحوا وحسبوا أنهم داخلوا مكة في عامهم، فلمّا خرجوا معه - صلى الله عليه وسلم - ، وصدّهم الكفار بالحديبية، ورجعوا، وشقّ عليهم ذلك .. قال عبد الله بن أبي وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن الحارث: والله ما حلقنا ولا قصرنا, ولا رأينا المسجد الحرام، فنزلت هذه الآية المذكورة، ولمّا نزلت هذه الآية .. علم المسلمون أنهم يدخلونها فيما يستأنف، واطمأنت قلوبهم، ودخلوها معه - صلى الله عليه وسلم - في ذي القعدة سنة سبع، وذلك ثلاثة أيام هو وأصحابه، وصدقت رؤياه - صلى الله عليه وسلم - .
وقوله: {فَعَلِمَ} الله سبحانه {مَا لَمْ تَعْلَمُوا} في الصلح في الحديبية من المصلحة المتجدّدة، فإنّ دخولكم في سنتكم هذه سبب لهلاك المؤمنين والمؤمنات، معطوف على {صَدَقَ} . و {الفاء} : للترتيب الذكري، فالتعرض لحكم الشيء إنما يكون بعد جري ذكره.
والمراد بعلمه تعالى: العلم الفعليّ المتعلق بأمر حادث بعد المعطوف عليه؛ أي: فعلم عقيب ما أراه الرؤيا الصادقة، ما لم تعلموا من الحكمة الداعية إلى تقديم ما يشهد بالصدق علمًا فعليًا. {فَجَعَلَ} سبحانه {مِنْ دُونِ ذَلِكَ} ؛ أي: من قبل ذلك الدخول في مكة؛ أي: من قبل تحقق مصداق ما أراه من دخول المسجد الحرام {فَتْحًا قَرِيبًا} وهو فتح خيبر، فيقويكم به، فإنه كان سببًا لإسلام كثير من الناس تقوّى بهم المسلمون، فتكون تلك الكثرة سببًا لهيبة الكفار، ولمنعهم من قتال المسلمين، حين رجعوا إلى مكة في العام المقبل، وهم عشرة آلاف، وكانوا في عام الحديبية ألفًا وأربع مائة.