وفي الآية دلالة خلق أفعال العباد؛ لأنه أضاف الفرائض، وهي الطاعات إلى نفسه بقوله: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) ، وأنها أفعال العباد؛ دل أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله - تعالى - وإنما خص هذه الأعمال بالإضافة إلى نفسه، مع أن جميع الأفعال مضافة إليه بخلقه إياها تبجيلا وتعظيمًا لها، كما قال اللَّه - تعالى -: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ) ، أضاف المساجد لنفسه؛ تبجيلا وتعظيمًا لها. وعلى هذا يخرج تأويل من قال في قوله: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا) ، من نفسي؛ فكيف أظهرها لمن دونه أراد بهذه الإضافة تبجيلا وتعظيمًا لأمر الساعة؛ فكأنه يقول: إنما لم أظهر أمر الساعة لذلك الخلق الذي هو بهذه المنزلة، فكيف أظهرها لكم أي: لا أفعل ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .
أي: للكافرين باللَّه وبحدوده عذاب أليم في الآخرة؛ لأن عذاب الكفر إنما يكون في الآخرة عذابًا دائمًا لا انقضاء له، ولا قوة إلا باللَّه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) .
قال بعض أهل الأدب: المحاد هو الذي يجعل نفسه في حد غير الحد الذي أمره الله ورسوله، وكذلك قوله: يشاقون اللَّه، أي: يكونون في شق غير الشق الذي عليه رسول اللَّه، أو كلام نحوه.
ومنهم من قال: حددته عن طريقه، أي: عدلته عنه، وبعضه قريب من بعض. وأصله ما ذكر: (يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) ، أي: يمانعون الناس ويزجرونهم عن الطريق؛ لئلا يأتوا محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويتبعوه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) .
قيل: غلبوا وردوا بغير حاجتهم كما غلب ورد الذين كانوا من قبلهم.
وقيل: أهلكوا كما أهلك الذين من قبلهم.
وقيل: أخزوا كما أخزي الذين كانوا من قبلهم. وكله قريب بعضه من بعض.
ثم يخرج تأويله على وجهين: