والإشارة في قوله: {وَتِلْكَ} إلى الأحكام المذكورة، وهو مبتدأ خبره {حُدُودُ اللهِ} ؛ أي: وتلك الأحكام المذكورة من تحريم الظهار، وإيجاب العتق للواجد، وإيجاب الصوم لغير الواجد إن استطاع، وإيجاب الإطعام لمن لم يستطع .. حدود الله التي لا يجوز تعديها، وشرائعه الموضوعة لعباده التي لا يجوز تجاوزها إلى ما يخالفها. {وَلِلْكَافِرِينَ} الذين لا يقفون عند حدود الله، ولا يعملون بها، ولا يقبلونها {عَذَابٌ أَلِيمٌ} ؛ أي: مؤلم موجع. والأليم: بمعنى المؤلم، كالبديع بمعنى المبدع، أو بمعنى المتألم، لكن أسند مجازًا إلى العذاب مبالغةً، كأنه في الشدة بدرجة تتألم بها نفسه. وفي إثبات العذاب للكافرين حث للمؤمنين على قبول الطاعة. وعبر عن ترك العمل بمقتضى الظهار بالكفر للتغليظ على طريقة قوله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} ؛ يعني: أن إطلاق الكفر لتأكيد الوجوب والتغليظ على تارك العمل، لا لأنه كفر حقيقة كما يزعمه الخوارج. قال بعضهم في قوله - صلى الله عليه وسلم -:"من ترك الصلاة فقد كفر"؛ أي: قارب الكفر، كما يقال: دخل البلدة، لمن قاربها.
وختم الآية هنا بـ {أَلِيمٌ} ، وفيما بعده بـ {مُهِينٌ} ؛ لأن الأول متصل بضده وهو الإيمان، فتوعدهم على الكفر بالعذاب الأليم الذي هو جزاء الكافرين، والثاني متصل بقوله: {كُبِتُوا} ، وهو الإذلال والإهانة، فوصف العذاب بمثل ذلك فقال: {مُهِينٌ} .
والمعنى: أي ذلك الذي بيناه لكم من وجوب الكفارة حين الظهار لتقروا بتوحيد الله، وتصدقوا رسوله، وتنتهوا عن قول الزور والكذب، وتتبعوا ما حده الدين من حدود الله، وبينه لكم من فرائض، وللجاحدين بهذه الحدود وغيرها من فرائض الله عذاب مؤلم على كفرهم بها. وأطلق اسم الكافر على متعدي هذه الحدود تغليظًا للزجر، كما مرّ آنفًا، كما قال في المتهاون في أداء فريضة الحج: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} .