فهرس الكتاب
قوله: {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} أي يقدمون غيرهم في الأموال مع احتياجهم إليها، وهذا الوصف لا يخص الأنصار، فقد روي عن ابن عمر أنه قال: اهدي لرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رأس شاة، فقال: إن أخي فلاناً وعياله أحوج إلى هذا منا، فبعثه إليهم، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر، حتى تداولها سبعة أبيات، ثم عادت إلى الأول، فنزل هذه الآية.
روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ أربعمائة دينار، فجعلها في صرة ثم قال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثم امكث عنده في البيت حتى تنظر ما يصنع بها، فذهب بها الغلام إليه وقال له: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجاتك، فقال: وصله الله ورحمه ثم قال: تعالي يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، حتى فقدها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره، ووجده قد ربط مثلها إلى معاذ بن جبل، فقال: اذهب بها إليه، وامكث في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها إليه وقال له: يقول لك أمير المؤمنين، اجعل هذه في بعض حاجاتك، فقال: رحمه الله ووصله، وقال: يا جارية اذهبي إلى بيت فلان بكذا، وإلى بيت فلان بكذا، فجاءت امرأة معاذ وقالت: نحن والله مساكين فأعطنا، ولم يبق في الخرقة إلا ديناران فرمى بهما إليها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فسر بذلك وقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض، ونحو عن عائشة وغيرها.
{ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}
قوله: {وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ} اللام لام الأمر، والحكمة في التنكير، الإشارة إلى أن الأنفس الناظرة لمعادها المعتبرة بغيرها قليلة جداً عديمة المثيل.
قوله: (ليوم القيامة) سمي غداً لقرب مجيئه، قال تعالى:
{وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ} [النحل: 77] فكأنه لقربه شبيه بما ليس بينه وبينه إلا ليلة واحدة، والتنكير في غد للتعظيم والإيهام، كأنه قيل: لغد لا تعرف النفس كنه عظمته وهوله.
قوله: {وَاتَّقُواْ اللَّهَ} كرره للتأكيد، أو الأول إشارة للأمر بأصل التقوى، والثاني للأمر بالدوام عليها. انتهى انتهى {حاشية الصاوي على الجلالين} ...