فهرس الكتاب
أي: لو أنزلنا - على سبل الفرض والتقدير - هذا القرآن العظيم الشأن على جبل من الجبال العالية الشامخة الصلبة وخاطبناه به .. لرأيت - أيها العاقل - هذا الجبل الذي هو مثال في الشدة والغلظة والضخامة وعدم التأثر. لرأيته خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ.
أي: لرأيته متذللا متشققا من شدة خوفه من الله - تعالى - ومن خشيته.
قال الآلوسي: وهذا تمثيل لعلو شأن القرآن، وقوة تأثيره، والغرض - من هذه الآية - توبيخ الإنسان على قسوة قلبه، وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن الكريم، وتدبر ما فيه من القوارع، وهو الذي لو أنزل على جبل - وقد ركب فيه العقل - لخشع وتصدع.
ويشير إلى كونه تمثيلا، قوله - تعالى -: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.
أي: وتلك الأمثال الباهرة التي اشتمل عليها هذا القرآن العظيم، نضربها ونسوقها للناس، لكي يتفكروا فيها، ويعملوا بما تقتضيه من توجيهات حكيمة ومن مواعظ سديدة، ومن إرشادات نافعة.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالثناء على ذاته - تعالى - وببيان بعض أسمائه الحسنى فقال - تعالى -:
[سورة الحشر (59) : الآيات 22 إلى 24]
(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ(22)
قال الجمل: لما وصف - تعالى - القرآن بالعظم، ومعلوم أن عظم الصفة تابع لعظم الموصوف، أتبع ذلك بوصف عظمته - تعالى - فقال: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي: هو الله الذي وجوده من ذاته، فلا عدم له بوجه من الوجوه، فلا شيء يستحق الوصف بهذا غيره، لأنه هو الموجود أزلا وأبدا، فهو حاضر في كل ضمير، غائب بعظمته عن كل حس، فلذلك تصدع الجبل من خشيته.
أي: هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة والألوهية إلا له، الذي لا إله إلا هو، فإنه لا مجانس له، ولا يليق ولا يصح، ولا يتصور، أن يكافئه أو يدانيه شيء ... .
وقوله: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أي: هو - سبحانه - العليم علما تاما بما غاب عن أذهان الخلائق وعقولهم، وبما هو حاضر ومشاهد أمام أعينهم.
فالمراد بالغيب: كل ما غاب عن إحساس الناس وعن مداركهم ..