فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 212

{فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ...(57)}

واعلم أن الحذف على وجهين:

أحدهما: ألا يقام شيء مقام المحذوف كما سبق.

والثاني: أن يقام مقامه ما يدل عليه؛ كقوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} [سورة هود: 57] ليس الإبلاغ هو الجواب؛ لتقدمه على توليهم، والتقدير:"فإن تولوا فلا لوم علي لأني قد أبلغتكم"، أو: فلا عذر لكم عند ربكم لأني قد أبلغتكم. وقوله: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} [سورة فاطر: 4] أي: فلا تحزن واصبر؛ فإنه قد كذبت رسل من قبلك، وقوله: {وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ} [سورة الأنفال: 38] أي: فيصيبهم مثل ما أصاب الأولين.

وأدلة الحذف كثيرة: منها أن يدل العقل على الحذف، والمقصود الأظهر على تعيين المحذوف؛ كقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ ... } الآية [المائدة: 3] , وقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ... } الآية [النساء: 23] ؛ فإن العقل يدل على الحذف لما مر، والمقصود الأظهر يرشدك إلى أن التقدير: حرم

عليكم تناول الميتة وحُرِّم عليكم نكاح أمهاتكم؛ لأن الغرض الأظهر من هذه الأشياء تناولها، ومن النساء نكاحهن.

ومنها أن يدل العقل على الحذف والتعيين؛ كقوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ} [سورة الفجر: 22] أي: أمر ربك أو عذابه أو بأسه، وقوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} [سورة البقرة: 210] أي: عذاب الله أو أمره.

ومنها أن يدل العقل على الحذف، والعادة على التعيين؛ كقوله تعالى حكاية عن امرأة العزيز: {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} [سورة يوسف: 32] دل العقل على الحذف فيه؛ لأن الإنسان إنما يُلام على كسبه، فيُحتمل أن يكون التقدير: في حبه؛ لقولهن: {قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا} [سورة يوسف: 30 وما بعدها] ، وأن يكون في مراودته، لقولهن: {تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ} ، وأن يكون في شأنه وأمره؛ فيشملهما، والعادة دلت على تعيين المراودة؛ لأن الحب المفرط لا يلام الإنسان عليه في العادة؛ لقهره صاحبه وغلبته إياه، وإنما يلام على المراودة الداخلة تحت كسبه التي يقدر أن يدفعها عن نفسه.

ومنها أن تدل العادة على الحذف والتعيين؛ كقوله تعالى: {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ} [سورة آل عمران: 167] مع أنهم كانوا أخبر الناس بالحرب، فكيف يقولون: إنهم لا يعرفونها؟! فلا بد من حذف؛ قدره مجاهد - رحمه الله - مكان قتال، أي: إنكم تقاتلون في موضع لا يصلح للقتال، ويُخشى عليكم منه، ويدل عليه أنهم أشارواعلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا يخرج من المدينة وأن الحزم البقاء فيها.

ومنها الشروع في الفعل؛ كقول المؤمن:"بسم الله الرحمن الرحيم"كما إذا قلت

عند الشروع في القراءة:"باسم الله", فإنه يفيد أن المراد:"باسم الله أقرأ"، وكذا عند الشروع في القيام أو القعود أو أي فعل كان؛ فإن المحذوف يقدر على حسب ما جُعلت التسمية مبدأ له.

ومنها اقتران الكلام بالفعل؛ فإنه يفيد تقريره؛ كقولك لمن أعرس:"بالرَّفاء والبنين"؛ فإنه يفيد: بالرفاء والبنين أعرستَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت