فإنه لو اقتصر على وصفهم بالذلة على المؤمنين لتُوُهم أن ذلتهم لضعفهم، فلما قيل: {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} علم أنها منهم تواضع لهم؛ ولذا عدي"الذل"بـ"على"لتضمينه معنى العطف، كأنه قيل: عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع، ويجوز أن تكون التعدية بـ"على"؛ لأن المعنى أنهم - مع شرفهم وعلوّ طبقتهم وفضلهم على المؤمنين - خافضون لهم أجنحتهم.
ومنه قول ابن الرومي فيما كتب به إلى صديق له:"إني وليك الذي لا يزال تنقاد إليك مودته عن غير طمع ولا جزع، وإن كنتَ لذي الرغبة مطلبا، ولذي الرهبة مهربا".
وكذا قول الحماسي"من الطويل":
رهنت يدي بالعجز عن شكر بره ... وما فوق شكري للشكور مزيد
وكذا قول كعب بن سعد الغنوي"من الطويل":
حليم إذا ما الحلم زين أهله ... مع الحلم في عين العدو مَهيب
فإنه لو اقتصر على وصفه بالحلم، لأوهم أن حلمه عن عجز؛ فلم يكن صفة مدح، فقال:"إذا ما الحلم زين أهله"فأزال هذا الوهم، وأما بقية البيت فتأكيد للازم ما يُفهَم من قوله:"إذا ما الحلم زين أهله"من كونه غير حليم حين لا يكون الحلم زينا لأهله؛ فإن من لا يكون حليما حين لا يحسن الحلم لأهله يكون مهيبا في عين العدو لا محالة، فعلم أن بقية البيت ليست تكميلا كما زعم بعض الناس.
ومنه قول الحماسي"من الطويل":
وما مات منا سيد في فراشه ... ولا طُلّ منا حيث كان قتيل
فإنه لو اقتصر على وصف قومه بشمول القتل إياهم؛ لأوهم أن ذلك لضعفهم وقلتهم، فأزال هذا الوهم بوصفهم بالانتصار من قاتلهم.
وكذا قول أبي الطيب"من الوافر":
أشد من الرياح الهُوج بطشا ... وأسرع في الندى منها هبوبا
فإنه لو اقتصر على وصفه بشدة البطش، لأوهم ذلك أنه عنف كله، ولا لطف
عنده، فأزال هذا الوهم بوصفه بالسماحة، ولم يتجاوز في ذلك كله صفة الريح التي شبّهه بها، وقوله:"إنه أسرع في الندى منها هبوبا"؛ كأنه من قول ابن عباس رضي الله عنهما:"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان؛ كان كالريح المرسَلَة".