فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 212

{فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ ...(131)}

أما"إن وإذا"فهما للشرط في الاستقبال، لكنهما يفترقان في شيء: وهو أن الأصل في"إن"ألا يكون الشرط فيها مقطوعا بوقوعه؛ كما تقول لصاحبك:"إن تكرمني أكرمك"وأنت لا تقطع بأنه يكرمك.

والأصل في"إذا"أن يكون الشرط فيها مقطوعا بوقوعه كما تقول: إذا زالت الشمس آتيك. ولذلك كان الحكم النادر موقعا لـ"إن"؛ لأن النادر غير مقطوع به في غالب الأمر، وغلب لفظ الماضي مع"إذا"لكونه أقرب إلى القطع بالوقوع نظرا إلى اللفظ؛ قال الله تعالى: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} [سورة الأعراف: 131] أتى في جانب الحسنة بلفظ"إذا"؛ لأن المراد بالحسنة الحسنة المطلقة التي حصولها مقطوع به؛ ولذلك عرفت تعريف الجنس.

وجوز السكاكي أن يكون تعريفها للعهد، وقال:"وهذا أقصى لحق البلاغة"، وفيه نظر.

وأتى في جانب السيئة بلفظ"إن"؛ لأن السيئة نادرة بالنسبة إلى الحسنة المطلقة؛ ولذلك نكرت.

ومنه قوله تعالى: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [سورة الروم: 36] أتى بـ"إذا"في جانب الرحمة، وأما تنكيرها فجعله السكاكي للنوعية نظرا إلى لفظ الإذاقة , وجعله للتقليل نظرا إلى لفظ الإذاقة - كما قال - أقرب. وأما قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ} [سورة الروم: 33] بلفظ"إذا"مع الضر فللنظر إلى لفظ"المس", وإلى تنكير"الضر"المفيد في المقام التوبيخي القصد إلى اليسير من الضر، وإلى الناس المستحقين أن يلحقهم كل ضر، وللتنبيه على أن مساس قدر يسير من الضر لأمثال هؤلاء حقه أن يكون في حكم المقطوع به، وأما قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} [سورة فصلت: 51] بعد قوله عز وجل: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} أي: أعرض عن شكر الله وذهب بنفسه وتكبر وتعظم؛ فالذي تقتضيه البلاغة أن يكون الضمير في"مسه"للمعرض المتكبر، ويكون لفظ"إذا"للتنبيه على أن مثله يحق أن يكون ابتلاؤه بالشر مقطوعا به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت