فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 212

{فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ...(196)}

الإطناب: كقولهم:"رأيته بعيني"، ومنه قوله تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} [النور: 15] ، أي: هذا الإفك ليس إلا قولا يجري على ألسنتكم ويدور في أفواهكم من غير ترجمة عن علم في القلب، كما هو شأن المعلوم إذا ترجم عنه اللسان، وكذا قوله: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [سورة البقرة: 196] لإزالة توهم الإباحة كما في نحو قولنا:"جالس الحسن وابن سيرين"وليُعلَم العدد جملة كما عُلِم تفصيلا؛ ليحاط به من جهتين، فيتأكد العلم، وفي أمثال العرب:"علمان خير من علم". وكذا قوله: {كَامِلَةٌ} تأكيد آخر، وقيل: أي: كاملة في وقوعها بدلا من الهَدْي، وقيل: أريد به تأكيد الكيفية لا الكمية، حتى لو وقع صوم العشرة على غير الوجه المذكور لم تكن كاملة.

وكذا قوله: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [سورة غافر: 7] فإنه لو لم يقصد الإطناب لم يذكر {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} ؛ لأن إيمانهم ليس مما ينكره أحد من مثبِتيهم، وحسّن ذكره إظهار شرف الإيمان ترغيبا فيه، وكذا قوله: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [سورة المنافقون: 1] فإنه لو اختُصر لتُرك قوله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} ؛ لأن مساق الآية لتكذيبهم في دعوى الإخلاص في الشهادة كما مر، وحسنه دفع توهم أن التكذيب للمشهود به في نفس الأمر ونحوه قول البلغاء:"لا وأصلحك الله"وكذا قوله تعالى إخبارا عن موسى: {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [سورة طه: 18] ، وحسنه أنه - عليه السلام - فهم أن السؤال يعقبه أمر عظيم يحدثه الله تعالى في العصا؛ فينبغي أن يتنبه لصفاتها حتى يظهر له التفاوت بين الحالين، وكذا قوله تعالى: {نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} [سورة الشعراء: 71] وحسّنه إظهار الابتهاج بعبادتها والافتخار بمواظبتها؛ ليزداد غيظ السائل.

الإيجاز والإطناب النسبيان: واعلم أنه قد يوصف الكلام بالإيجاز والإطناب

باعتبار كثرة حروفه وقلتها بالنسبة إلى كلام آخر مساوٍ له في أصل المعنى؛ كالشطر الأول من قول أبي تمام"من الطويل":

يصد عن الدنيا إذا عَنَّ سؤدد ... ولو برزت في زي عذراء ناهد

وقول الآخر"من الطويل":

ولست بنظّار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر

ومنه قول الشماخ"من الوافر":

إذا ما راية رُفعت لمجد ... تَلقّاها عرابة باليمين

وقول بشر بن أبي خازم"من الوافر":

إذا ما المَكْرُمات رُفعن يوما ... وقصّر مبتغوها عن مداها

وضاقت أذرع المثرين عنها ... سما أوس إليها فاحتواها

ويقرب من هذا البابقوله تعالى: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [سورة الأنبياء: 23] .

وقول الحماسي"من الطويل":

وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول

وكذا ما ورد في الحديث:"الحزم سوء الظن".

وقول العرب:"الثقة بكل أحد عجز".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت