وأما نحو قوله تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} فقال السكاكي:"الوجه فيه عندي هو أن {وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} حال لقرية؛ لكونها في حكم الموصوف نازلة منزلة"وما أهلكنا قرية من القرى"لا وصف، وحمله على الوصف سهو لا خطأ، ولا عيب في السهو للإنسان ولا ذام، والسهو ما يتنبه له صاحبه بأدنى تنبيه، والخطأ ما لا يتنبه له صاحبه أو يتنبه ولكن بعد تعب". وكأنه عرض الزمخشري حيث قال في تفسيره: {وَلَهَا كِتَابٌ} جملة واقعة صفة"لقرية"، والقياس ألا يتوسط الواو بينهما كما في قوله تعالى: وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا
مُنْذِرُونَ [سورة الشعراء: 208] ، وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف؛ كما يقال في الحال:"جاءني زيد عليه ثوب"، و"جاءني زيد وعليه ثوب".
ثم قال السكاكي:
"من عرف السبب في تقديم الحال إذا أريد إيقاعها عن النكرة؛ تنبَّه لجواز إيقاعها عن النكرة مع الواو في مثل:"جاءني رجل وعلى كتفه سيف"، ولمزيد جوازه في قوله عز اسمه: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} [سورة الحجر: 4] على ما قدمت".
واعلم أن السكاكي بنى كلامه في الجملة الواقعة حالا على أصول مضطربة لا يخفى حالها على الفَطِن، لا سيما إذا أحاط علما بما ذكرناه وأتقنه، فآثرنا الإعراض عن نقل كلامه والتعرض لما فيه من الخلل؛ لئلا يطول الكتاب من غير طائل.