أغراض تقييد الفعل بالشرط: إن، وإذا، ولو
وأما تقييده بالشرط: فلاعتبارات لا تعرف إلا بمعرفة ما بين أدواته من التفصيل، وقد بُيِّن ذلك في علم النحو، ولكن لا بد من النظر ههنا في:"إن، وإذا، ولو".
أما"إن وإذا"فهما للشرط في الاستقبال، لكنهما يفترقان في شيء: وهو أن الأصل في"إن"ألا يكون الشرط فيها مقطوعا بوقوعه؛ كما تقول لصاحبك:"إن تكرمني أكرمك"وأنت لا تقطع بأنه يكرمك.
والأصل في"إذا"أن يكون الشرط فيها مقطوعا بوقوعه كما تقول: إذا زالت الشمس آتيك. ولذلك كان الحكم النادر موقعا لـ"إن"؛ لأن النادر غير مقطوع به في غالب الأمر، وغلب لفظ الماضي مع"إذا"لكونه أقرب إلى القطع بالوقوع نظرا إلى اللفظ؛ قال الله تعالى: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} [سورة الأعراف: 131] أتى في جانب الحسنة بلفظ"إذا"؛ لأن المراد بالحسنة الحسنة المطلقة التي حصولها مقطوع به؛ ولذلك عرفت تعريف الجنس.
وجوز السكاكي أن يكون تعريفها للعهد، وقال:"وهذا أقصى لحق البلاغة"،
وفيه نظر.
وأتى في جانب السيئة بلفظ"إن"؛ لأن السيئة نادرة بالنسبة إلى الحسنة المطلقة؛ ولذلك نكرت.
ومنه قوله تعالى: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [سورة الروم: 36] أتى بـ"إذا"في جانب الرحمة، وأما تنكيرها فجعله السكاكي للنوعية نظرا إلى لفظ الإذاقة, وجعله للتقليل نظرا إلى لفظ الإذاقة - كما قال - أقرب. وأما قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ} [سورة الروم: 33] بلفظ"إذا"مع الضر فللنظر إلى لفظ"المس", وإلى تنكير"الضر"المفيد في المقام التوبيخي القصد إلى اليسير من الضر، وإلى الناس المستحقين أن يلحقهم كل ضر، وللتنبيه على أن مساس قدر يسير من الضر لأمثال هؤلاء حقه أن يكون في حكم المقطوع به، وأما قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} [سورة فصلت: 51] بعد قوله عز وجل: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} أي: أعرض عن شكر الله وذهب بنفسه وتكبر وتعظم؛ فالذي تقتضيه البلاغة أن يكون الضمير في"مسه"للمعرض المتكبر، ويكون لفظ"إذا"للتنبيه على أن مثله يحق أن يكون ابتلاؤه بالشر مقطوعا به.
قال الزمخشري: وللجهل بموقع"إن"و"إذا"يزيغ كثير من الخاصة عن الصواب فيغلطون؛ ألا ترى إلى عبد الرحمن بن حسان كيف أخطأ بهما الموقع في قوله يخاطب بعض الولاة، وقد سأله حاجة فلم يقضها، ثم شفع له فيها فقضاها"من الطويل":
ذُمِمْت ولم تحمد وأدركت حاجتي ... تولى سواكم أجرها واصطناعها
أبى لك كسب الحمد رأي مقصر ... ونفس أضاق الله بالخير باعها
إذا هي حثته على الخير مرة ... عصاها وإن همت بشر أطاعها
فلو عكس لأصاب.
وقد تستعمل"إن"في مقام القطع بوقوع الشرط لنكتة:
كالتجاهل؛ لاستدعاء المقام إياه.
وكعدم جزم المخاطب؛ كقولك لمن يُكذّبك فيما تخبر: إن صدقتُ فقل لي ماذا تفعل؟
وكتنزيله منزلة الجاهل؛ لعدم جريه على موجب العلم، كما تقول لمن يؤذي أباه:"إن كان أباك فلا تؤذه".
وكالتوبيخ على الشرط، وتصوير أن المقام لاشتماله على ما يقلعه عن أصله لا
يصلح إلا لفرضه كما يفرض المحال لغرض، كقوله تعالى: {أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ} فيمن قرأ"إِنْ"بالكسر لقصد التوبيخ والتجهيل في ارتكاب الإسراف، وتصوير أن الإسراف من العاقل في هذا المقام واجب الانتفاء، حقيق ألا يكون ثبوته له إلا على مجرد الفرض.
وكتغليب غير المتصف بالشرط على المتصف به ومجيء قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [سورة البقرة: 23] بـ"إن", يحتمل أن يكون للتوبيخ على الريبة لاشتمال المقام على ما يقلعها عن أصلها، ويحتمل أن يكون لتغليب غير المرتابين من المخاطَبين على المرتابين منهم؛ فإنه كان فيهم من يعرف الحق؛ وإنما ينكر عنادا، وكذلك قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ} [سورة الحج: 5] .