ومن هذا الضرب قوله تعالى: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [سورة مريم: 4] ؛ لأن أصله:"يا رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس مني شيبا".
وعده السكاكي من القسم الثاني من الإيجاز على ما فسره؛ ذاهبا إلى أنه - وإن اشتمل على بسط - فإن انقراض الشباب وإلمام المشيب جديران بأبسط منه، ثم ذكر أن فيه لطائف يتوقف بيانها على النظر في أصل المعنى ومرتبته الأولى، ثم أفاد أن مرتبته الأولى"يا ربي، قد شختُ"فإن الشيخوخة مشتملة على ضعف البدن وشيب الرأس، ثم تُركت هذه المرتبة لتوخي مزيد التقرير إلى تفصيلها في"ضعف بدني وشاب رأسي"ثم ترك التصريح"بضعف بدني"إلى الكناية بـ"وهنت عظام بدني"لما سيأتي أن الكناية أبلغ من التصريح، ثم لقصد مرتبة رابعة أبلغ في التقرير بُنيت الكناية على المبتدأ فحصل"أنا وهنت عظام بدني"، ثم لقصد مرتبة خامسة أبلغ أدخلت إن على المبتدأ، فحصل"إني وهنت عظام بدني"، ثم لطلب تقرير أن الواهن عظام بدنه قصد مرتبة سادسة؛ وهي سلوك طريقي الإجمال والتفصيل، فحصل"إني وهنت العظام من بدني"، ثم لطلب مزيد اختصاص العظام به قصدت مرتبة سابعة؛ وهي ترك توسيط البدن، فحصل"إني وهنت العظام مني"، ثم لطلب شمول الوهن العظام فردا فردا قُصدت مرتبة ثامنة، وهي ترك الجمع إلى الإفراد؛ لصحة حصول وهن المجموع بوهن البعض دون كل فرد فرد، فحصل ما ترى.
وهكذا تُركت الحقيقة في"شاب رأسي"إلى الاستعارة في"اشتعل شيب رأسي"لما سيأتي أن الاستعارة أبلغ من الحقيقة، ثم تركت هذه المرتبة إلى تحويل الإسناد إلى الرأس وتفسيره بـ"شيبا"؛ لأنها أبلغ من جهات:
إحداها: إسناد الاشتعال إلى الرأس؛ لإفادة شمول الشيب الرأس؛ إذ وزان"اشتعل شيب رأسي، واشتعل رأسي شيبا"وزان"اشتعل النار في بيتي، واشتعل بيتي نارا"والفرق بيّن نيّر.
وثانيتها: الإجمال والتفصيل في طريقي التمييز.
وثالثتها: تنكير"شيبا"لإفادة المبالغة، ثم ترك"اشتعل رأسي شيبا"لتوخي مزيد التقدير إلى"اشتعل الرأس مني شيبا"على نحو:"وهن العظم مني"ثم ترك لفظ"مني"لقرينة عطف"اشتعل الرأس"على"وهن العظم مني"لمزيد التقرير، وهو إيهام حَوَالة تأدية مفهومه على العقل دون اللفظ"."
ثم قال عقيب هذا الكلام:
"واعلم أن الذي فتق أكمام هذه الجهات عن أزاهير القبول في القلوب هو أن مقدمة هاتين الجملتين وهي"رب"اختُصرت ذلك الاختصار، بأن حذفت كلمة النداء وهي"يا"، وحذفت كلمة المضاف إليه وهي ياء المتكلم، واقتُصر من مجموع الكلمات على كلمة واحدة فحسب وهي المنادى، والمقدمة للكلام كما لا يخفى على من له قدم صدق في نهج البلاغة نازلة منزلة الأساس للبناء، فكما أن البنّاء الحاذق لا يرمي الأساس إلا بقدر ما يقدر من البناء عليه، كذلك البليغ يصنع بمبدأ كلامه؛ فمتى رأيته قد اختصر المبدأ فقد آذنك باختصار ما يورد". انتهى كلامه.
وعليك أن تتنبه لشيء، وهو أن ما جعله سببا للعدول عن لفظ"العظام"إلى لفظ"العظم"فيه نظر؛ لأننا لا نسلم بصحة حصول وهن المجموع بوهن البعض دون كل فرد؛ فالوجه في ذكر"العظم"دون سائر ما تركّب منه البدن، وتوحيده؛ ما ذكره الزمخشري؛ قال:"إنما ذكر العظم؛ لأنه عمود البدن، وبه قوامه، وهو أصل بنائه، وإذا وهن تداعى وتساقطت قوته، ولأنه أشد ما فيه وأصلبه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن. ووحّده لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية، وقصده إلى أن هذا الجنس - الذي هو العمود والقوام وأشد ما تركب منه الجسد - قد أصابه الوهن، ولو جُمع لكان قصدا إلى معنى آخر، وهو أنه لم يهن بعض عظامه ولكن كلها، واعلم أن المراد بشمول الشيب الرأس أن يعم جملته؛ حتى لا يبقى من السواد شيء أو لا يبقى منه إلا ما لا يعتد به."