والاستئناف ثلاثة أضرب:
لأن السؤال الذي تضمنته الجملة الأولى، إما عن سبب الحكم فيها مطلقا كقوله"من الخفيف":
قال لي: كيف أنت قلت عليل ... سهر دائم وحزن طويل
أي: ما بالك عليلا؟ أو ما سبب علتك؟ وكقوله"من البسيط":
وقد غَرِضْتُ من الدنيا فهل زمني ... معطٍ حياتي لغِرّ بعد ما غَرِضا
جربت دهري وأهليه فما تركت ... لي التجارب في ود امرئ غَرضَا
أي: لِمَ تقول هذا ويحك؟ وما الذي اقتضاك أن تطوي عن الحياة - إلى هذا الحد - كشحك 1؟
وإما عن سبب خاص له؛ كقوله تعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [سورة يوسف: 53] . كأنه قيل: هل النفس أَمّارة بالسوء؟ فقيل: إن النفس لأمارة بالسوء.
وهذا الضرب يقتضي تأكيد الحكم؛ كما مر في باب أحوال الإسناد.
وإما عن غيرهما كقوله تعالى: {قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ} [سورة هود: 69] كأنه قيل:
فماذا قال إبراهيم عليه السلام؟ فقيل: قال: سلام. ومنه قول الشاعر"من الكامل":
زعم العواذل أنني في غمرة ... صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي
فإنه لما أبدى الشكاية من جماعات العذّال؛ كان ذلك مما يحرك السامع ليسأل: أصدقوا في ذلك أم كذبوا؟ فأخرج الكلام مخرجه إذا كان ذلك قد قيل له؛ ففُصِل. ومثله قول جندب بن عمار"من الكامل":
زعم العواذل أن ناقة جندب ... بجنوب خَبْت عُرِّيت وأُجمت
كذب العواذل لو رأين مناخنا ... بالقادسية قلن: لج وذلت
وقد زاد هنا أمر الاستئناف تأكيدا؛ بأن وضع الظاهر موضع المضمر؛ من حيث وضعه وضعا لا يحتاج فيه إلى ما قبله، وأتى به مأتى ما ليس قبله كلام. ومن الأمثلة قول الوليد"من الوافر":
عرفت المنزل الخالي ... عفا من بعد أحوال
عفاه كل حنّان ... عَسُوف الوبل هَطَّال
فإنه لما قال:"عفا"وكان العفاء مما لا يحصل للمنزل بنفسه؛ كان مظنة أن يُسأل عن الفاعل. ومثله قول أبي الطيب"من الوافر":
وما عفت الرياح له محلا ... عفا من حدا بهم وساقا
فإنه لما نفى الفعل الموجود عن الرياح؛ كان مظنة أن يسأل عن الفاعل.
وأيضا من الاستئناف ما يأتي بإعادة اسم ما استُؤنف عنه، كقولك:"أحسنت إلى زيد، زيد حقيق بالإحسان".
ومنه ما يبنى على صفته؛ كقولك:"أحسنت إلى زيد، صديقك القديم أهل لذلك"وهذا أبلغ؛ لانطوائه على بيان السبب. وقد يُحذف صدر الاستئناف لقيام قرينة، كقوله تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، رِجَالٌ} [سورة النور: 3، 37] فيمن قرأ"يُسَبَّحُ"مبنيا للمفعول وعليه نحو قولهم:"نعم الرجل أو رجلا زيد، وبئس الرجل أو رجلا عمرو"؛ على القول بأن المخصوص خبر مبتدأ محذوف، أي: هو زيد، كأنه لما قيل ذلك، فأبهم الفاعل بجعله معهودا ذهنيا، مظهرا
أو مضمرا، سُئل عن تفسيره، فقيل:"هو زيد"، ثم حذف المبتدأ.
وقد يحذف الاستئناف كله، ويقام ما يدل عليه مقامه، كقول الحماسي"من الوافر":
زعمتم أن إخوتكم قريش ... لهم إلف وليس لكم إلاف
حذف الجواب الذي هو"كذبتم في زعمكم"، وأقام قوله:"لهم إلف وليس لكم إلاف"مقامه؛ لدلالته عليه، ويجوز أن يقدر قوله:"لهم إلف وليس لكم إلاف"جوابا لسؤال اقتضاه الجواب المحذوف، كأنه لما قال المتكلم: كذبتم، قالوا:"لِمَ كذبنا؟"قال:"لهم إلف وليس لكم إلاف"؛ فيكون في البيت استئنافان.
وقد يحذف ولا يقام شيء مقامه كقوله تعالى: {نِعْمَ الْعَبْدُ} [سورة ص: 30] أي: أيوب، أو هو لدلالة ما قبل الآية وما بعدها عليه، ونحوه قوله: {فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} [الذاريات: 48] ؛ أي: نحن.