والاستغراق ضربان:
حقيقي كقوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} [سورة الأنعام: 73] أي: كل غيب وشهادة، وعرفي كقولنا:"جمع الأمير الصاغة"
إذا جمع صاغة بلده أو أطراف مملكته فحسب، لا صاغة الدنيا.
واستغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع، بدليل أنه لا يصدق:"لا رجلَ في الدار"في نفي الجنس إذا كان فيها رجل أو رجلان، ويصدق:"لا رجالَ في الدار"ولا تنافي بين الاستغراق وإفراد اسم الجنس؛ لأن الحرف إنما يدخل عليه مجردا عن الدلالة على الوحدة والتعدد، ولأنه بمعنى كل الإفرادي لا كل المجموعي؛ إذ معنى قولنا:"الرجل"كل فرد من أفراد الرجال، لا مجموع الرجال؛ ولهذا امتنع وصفه بنعت الجمع، وللمحافظة على التشاكل بين الصفة والموصوف أيضا.
فالحاصل أن المراد باسم الجنس المعرف باللام: إما نفس الحقيقة، لا ما يصدق عليه من الأفراد، وهو تعريف الجنس والحقيقة , ونحوه عَلَم الجنس"كأسامة."
وإما فرد معين، وهو العهد الخارجي، ونحوه العلم الخاص"كزيد"، وإما فرد غير معين، وهو العهد الذهني، ونحوه النكرة"كرجل"، وإما كل الأفراد؛ وهو الاستغراق، ونحوه لفظ"كل"مضافا إلى النكرة كقولنا:"كل رجل".
وقد شكك السكاكي على تعريف الحقيقة والاستغراق بما خرج الجواب عنه مما ذكرنا، ثم اختار - بناء على ما حكاه عن بعض أئمة أصول الفقه من كون اللام موضوعة لتعريف العهد لا غير - أن المراد بتعريف الحقيقة تنزيلها منزلة المعهود بوجه من الوجوه الخطابية؛ إما لكون الشيء حاضرا في الذهن لكونه محتاجا إليه على طريق التحقيق أو التهكم، أو لأنه عظيم الخطر معقود به الهمم على أحد الطريقين، وإما لأنه لا يغيب عن الحس على أحد الطريقين لو كان معهودا.
وقال: الحقيقة من حيث هي هي لا واحدة ولا متعددة؛ لتحققها مع الوحدة تارة ومع التعدد أخرى، وإن كانت لا تنفك في الوجود عن أحدهما، فهي صالحة للتوحد والتكثر؛ فكون الحكم استغراقا أو غير استغراق"راجع"إلى مقتضى المقام، فإذا كان خطابيا مثل"المؤمن غِرّ كريم، والفاجر خَبّ لئيم"حُمل المعرف باللام - مفردا كان أو جمعا - على الاستغراق؛ بعلة إيهام أن القصد إلى فرد دون آخر - مع تحقق الحقيقة فيهما - ترجيح لأحد المتساويين، وإذا كان استدلاليا حُمل على أقل ما يحتمل، وهو الواحد في المفرد، والثلاثة في الجمع.